تيسير الغوطي
من الحقائق الثابتة والمتناغمة مع سنن الكون والحياة، ان الشعب هو الطرف الأقوى في أي ميدان للصراع، وهو الابقى للاستمرار بغض النظر عن نتائج هذا الصراع سلبا أو إيجابا، هذه الحقيقة التي يتغافل عنها معظم – ان لم يكن كل- الحكام وأصحاب السلطة والسلطان خاصة في عالمنا العربي والإسلامي الذين ما ارتقوا إلى مراكز السلطة والحكم بجهدهم وكفاءاتهم ومحبة الناس لهم، وإنما لأسباب كثيرة – لا مجال للحديث عنها – أسوأها دعم قوى الشر والاستكبار والطغيان الظالمة والباحثة عن مصالحها ومصالحها فقط.
الأحداث التي تدعم وتؤكد تلك الحقيقة أكثر من ان تحصى سواء في تاريخنا المشهود أو ما مضى منه في الأزمان السابقة، كما حصل في رومانيا ضد الديكتاتور نيقولاي شاوشيسكو، أو في إيران ضد الشاهنشاه محمد رضا بهلوي، وفي واقعنا الذي يعيشه في فلسطين المباركة هناك الكثير من الأمثلة على قوة الشعب الفلسطيني وقدرته على التصدي لأعدائه وإسقاط مؤامراتهم عليه، والتي ما كان لبعضها الذي تحقق على الأرض ان يمر لولا خيانة وتواطؤ بعض الحكام من العرب والفلسطينيين بدءا بالتصدي لبلفور 1917، وليس انتهاء بإسقاط قرار الاحتلال الصهيوني لإغلاق مصلى الرحمة بالمسجد الأقصى المبارك، مرورا بثورة 1936، إسقاط مؤامرة التوطين في سيناء في خمسينيات القرن الماضي ، انتفاضة الحجارة 1987، انتفاضة الأقصى 1999.. الخ من محطات التصدي الشعبي والجماهيري للاحتلال الصهيوني لفلسطين وجرائمه بحق الأرض والإنسان والمقدسات.
أحداث باب الرحمة فبراير 2019 والتي تمكن خلالها آلاف المصلين من أبناء الشعب الفلسطيني يوم الجمعة 22/2/2019 من فتحه والدخول إلى مصلى الرحمة وإقامة الصلاة فيه، عقب قيامهم بإزالة السلاسل الحديدية عن البوابة الرئيسية التي أغلقها الاحتلال منذ عام 2003 وحتى اليوم، رغما عن الاحتلال وقواته العسكرية المنتشرة في المكان والمدججة بالأسلحة الفتاكة والمحمية بالقوانين العنصرية الظالمة للكيان الصهيوني، مسقطة بذلك أو معيقة على اقل تقدير المخططات الصهيونية الرامية إلى الاستيلاء على المسجد الأقصى وتقسيمه زمانيا ومكانيا لتثبيت الأقدام الصهيونية فيه، فقد أكد مسئولون بأوقاف القدس «ان انتفاضة المواطنين في باب الرحمة والدفاع عن المقدسات صفعة قوية لمخططات وأطماع الاحتلال الذي أغلقه لأجلها منذ ستة عشر عاما مضت، لاتخاذه طريقا لتقسيم الأقصى مكانيا»، فيما قال الخبير المقدسي جمال عمرو 25/2/2019»ان الاحتلال الصهيوني مني بهزيمة كبيرة جراء فتح المقدسيين أبواب مصلى باب الرحمة»، مضيفا أن «أطماع الاحتلال الصهيوني بفلسطين والمسجد الأقصى تزداد يوما بعد الآخر، فهو يحاول تقسيم الأقصى مكانيا وزمانيا لبسط سيطرته والاستيلاء عليه، وطرد كل من يحاول الدفاع عنه».
هذه الأحداث (أحداث باب الرحمة)، وما سبقتها وسبق ذكره، تؤكد ان الشعب هو القوة الأقدر على رفض وإسقاط كل المحاولات التي تمارسها القوى الظالمة وفي مقدمتها القوى الصهيوامريكية ، لفرض الحلول المتنكرة لحقوقه وآماله وأهدافه عليه، وآخرها صفقة القرن التي صدرتها وتروج لها الإدارة الأمريكية بواشنطن، وصاغها أكثر أركانها تشددا لصالح المشروع الصهيوني والصهيونية، وما دام الأمر كذلك فالشعب هو صاحب القرار – وليس الحكومات والزعماء- في كل ما يخص مصيره وحقوقه وآماله وتطلعاته، فضلا عما يمثله ويقوده ويوجهه، وهذا أدل وأقوى عوامل الفشل لصفقة القرن التي صيغت بعيدا عن الشعب الفلسطيني، وتجري محاولة تمريرها بعيدا عنه وبدعم من الحكام والمسؤولين الذين رهنوا وجودهم وحياتهم بالطاعة العمياء للإدارة الصهيوأمريكية بواشنطن ومصالحها وفي مقدمتها حماية الكيان الصهيوني وتثبيته في القلب من الأمة الإسلامية.
ولكي يتقدم الشعب ويحقق الإنجازات فإنه بحاجة لقيادة واعية مخلصة لحقوقه وآماله وليس لمواقعها ومناصبها، قيادة قادرة على الانسجام والتوافق مع تطلعات الشعب وآماله ، قيادة قادرة على القيادة واتخاذ القرارات وليس التخبط والتعامل بردود الأفعال، قيادة تكون منبثقة من الشعب وليست مفروضة عليه خاصة إذا كان ذلك من قبل أعداء الشعب والأمة، قيادة تهتم بمشاكل الشعب وتعمل على حلها ومعالجتها وليس تعقيدها وتأزيمها ، إذ كيف يمكن لشعب ان ينقاد لقيادة تتنكر لحقوقه، ولا تسعى لحل مشاكله، وتتخذ من القرارات ما يجعل حياته أكثر بؤسا وشقاء وفقرا، ولديها الاستعداد لسماع ومناقشة الآخرين و الجلوس معهم حتى الأعداء منهم، أكثر مما هو لجهة الشعب وأبنائه ومكوناته المختلفة.
ان القيادة الغير قادرة على تلبية طموحات الشعب بكافة مكوناته، وتحقيق آماله وأهدافه، بعد المحافظة على حقوقه وثوابته والدفاع عنها، عليها ان تغادر موقعها بكرامتها، قبل ان تفرض عليها هذه المغادرة بالذلة والمهانة والذكر السيء حتى يوم القيامة كما رأينا ونرى في كثير من القيادات عبر العالم ، لأن الشعب كان وما زال وسيبقى هو الأقوى والأقدر على فرض أجندته على الجميع.


التعليقات : 0