تيسير الغوطي
فجأة وبدون مقدمات أعلن الجيش الصهيوني في بيان له 3/4/2019 انه تمكن من إعادة رفات الجندي الصهيوني زكريا بومل، الذي فقدت آثاره منذ معركة السلطان يعقوب عام 1982 بالقرب من الحدود السورية اللبنانية، ليأتي بعد ذلك التوضيح الأهم من وزارة الدفاع الروسية 4/4/2019 حيث جاء في بيان صادر عنها «سلمت روسيا إسرائيل رفات الجندي من كتيبة الدبابات الإسرائيلية زكريا بأول ، الذي فقد منذ 37 عاما، وتمت اليوم في مبنى وزارة الدفاع الروسية مراسم تسليم رفات الجندي الإسرائيلي لرئيس الوزراء نتنياهو لدفنه في وطنه» ، كما أعادت وزارة الدفاع الروسية في هذه المراسم للجانب الصهيوني بدلة بأول وحذاءه العسكريين في نعش مغطى بالعلم الصهيوني. أحد ضباط المخابرات العسكرية الصهيونية وفي حديث للقناة 12 العبرية أكد ان الجيش يبحث عن رفات بأول وفلدمان وكاتس (الجنود الثلاثة) منذ فقدت آثارهم في لبنان عام 1982، وفي سنة 2002 شكلت وحدة الجنود المفقودين في الجيش الصهيوني فريقا كلف بمهمة العثور على الجنود الثلاثة، وفي العام الماضي تهيأت الظروف ووصلنا إلى صورة كاملة من النوع الذي سمح لنا بتحديد مكان وجود الجثة».
من جانبه أكد كمال خلف مراسل صحيفة رأي اليوم 4/4/2019 نقلا عن مصدر متابع «ان القوات الروسية حضرت إلى مخيم اليرموك بتاريخ 19 آذار (مارس) وطوقت المخيم وطلبت من كافة القوى المسلحة داخله من فصائل وجيش سوري وقوى أمن الخروج من المخيم، وانتشرت القوات الروسية فيه وتوجهت إلى مقبرة الشهداء في المخيم وطوقتها بالكامل، وكانت القوات الروسية تحمل معدات متطورة وآليات، ومكثت القوات الروسية خمسة أيام حتى تاريخ 24آذار مارس، وخرجت بهذا التاريخ وكان الخبراء الروس يحملون أكياسا بأيديهم». يذكر ان مخيم اليرموك كان قد وقع تحت سيطرة داعش في ابريل 2015 واستمرت سيطرتها عليه حتى مايو 2018 عندما استعاده الجيشان السوري والروسي، وكانت الأنباء الواردة في تلك الفترة قد تحدثت عن دمار كبير للمخيم ونبش للقبور في مقبرة الشهداء بالمخيم بل وتدمير بعضها، واعتقد البعض ان ذلك على خلفية دينية من شواهد القبور أو البناء عليها.
مجمل الروايات حول إعادة رفات الجندي الصهيوني زكريا بومل تضعنا أمام مجموعة من الحقائق التي تؤكد ان الكيان الصهيوني لا يمكنه الاعتماد على نفسه في تحقيق رغباته وطموحاته، بل وحتى الاستمرار في الوجود، لولا مجموعة الداعمين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية بإداراتها المتصهينة، ومجموعة من المتواطئين الذين يمارسون أدوارا داعمة من الخلف علانية أو من تحت الطاولة، كما ان هذه الروايات تسلط الضوء على أدوار من يظن البعض أنهم يقفون إلى جانب الحق العربي عموما والفلسطيني خصوصا في الصراع مع الكيان الصهيوني، أو أنهم يعادون الكيان الصهيوني باعتباره العدو الأول للأمة وللمسلمين. أول المتواطئين لخدمة الكيان الصهيوني في قضية رفات الجنود المفقودين منذ معركة السلطان يعقوب عام 1982، سواء كان هذا التواطؤ بقصد أو بدون قصد، الدولة الروسية، فبحسب الروايات كان لها الدول الأول والأكبر والاهم في الوصول إلى مكان وجود رفات الجندي الصهيوني، ففضلا عن الجهد الكبير الذي بذلته القوات الروسية في سوريا عموما وفي مخيم اليرموك خصوصا، كان هناك إعلان لوزارة الدفاع الروسية في سبتمبر 2018 عن إصابة أحد جنودها خلال عملية البحث عن رفات جنود إسرائيليين مفقودين، جراء تعرضهم لهجوم من مسلحي الجماعات الإرهابية»، ثم السكوت المطلق عن الغارات الصهيونية على الأراضي السورية التي تعلم بها مسبقا وربما يتم التنسيق بشأنها بين الجيشين الروسي والصهيوني، رغم الإعلانات الكثيرة والاتفاقيات الأمنية والدفاعية بين سوريا وروسيا، وفوق ذلك امتناع روسيا عن دعم الجيش السوري بما يناسب من الأسلحة الدفاعية ، وتقييد استخدام الموجود لدى سوريا، وهذا مما يزيد التكهنات بأن إمداد سوريا بمثل هذه الأسلحة إنما هو لأغراض إعلامية فقط، ويحسن التذكير بأن روسيا كانت أول دولة تعترف بالكيان الصهيوني لاغتصابه فلسطين في العام 1948، وأنها المورد الأول للكيان بالدعم البشري, كل ذلك يؤكد الكذبة التي يحاول البعض تسويقها بأن روسيا تقف إلى جانب الحق العربي والفلسطيني في الصراع مع الكيان الصهيوني، وفي نفس الوقت خطأ بل جريمة من يثق في روسيا بأنها ناصرة ومنتصرة للحق العربي والفلسطيني، كما يؤكد أن روسيا والولايات المتحدة ليستا أكثر من وجهي عملة واحدة لحماية ودعم الكيان الصهيوني على حساب المصالح العربية.
ومن المتواطئين أيضا جماعات المعارضة السورية المسلحة خاصة تلك التي تواجدت في مخيم اليرموك وعاثت فسادا في مقبرة الشهداء بحثاً عن رفات الجنود الصهاينة ولكنها فشلت في ذلك، فقد ذكرت صحيفة رأي اليوم الالكترونية 4/4/2019 «ويعتقد ان الخبراء الروس وجدوا الرفات خلال مدة تواجدهم في مخيم اليرموك بعد ان فشلت الجماعات المسلحة في الوصول إلى رفات الجندي خلال عمليات نبش قبور الشهداء».
ومن المتواطئين أيضا (ولو بغير قصد) أولئك الذي يعملون ويعرفون مكان رفات الجنود الصهاينة، والتزموا الصمت والسكوت طوال هذه السنوات الطويلة (37 عاماً)، ولم يحاولوا استغلال هذه الورقة للإفراج عن أسرى فلسطينيين وعرب يقبعون في سجون الاحتلال الصهيوني منذ عشرات السنين.
وأخيرا ومما يؤلم ويدمي القلب عقد المقارنة بين اهتمام الكيان الصهيوني بأبنائه وجنوده حتى وهم رفات مضى عليه عشرات السنين، وبين سهولة تخلي الأنظمة العربية والقيادات الرسمية عن أبنائها وقياداتها ليس فقط الأموات منهم، بل الأحياء بمجرد أن يغادروا مواقعهم ومناصبهم الرسمية.


التعليقات : 0