ثابت العمور
نجحت حركة الجهاد الإسلامي في جمع القوى والفصائل الفلسطينية في لقاء تشاوري عُقد يوم الخميس الموافق 18 ابريل 2019، هاته ليست المرة الأولى التي تنجح فيها حركة الجهاد الإسلامي في جمع الفرقاء ومكونات الحركة الوطنية الفلسطينية وقطعا لن تكون الأخيرة، وهي ليست المرة الأولى التي تُقدم فيها حركة الجهاد خارطة طريق أو مبادرة كاملة شاملة موضوعية بل ربما يصعب هنا في هذا الموضع استحضار كل المبادرات والأوراق واللقاءات التي رعتها ودعمتها وقدمتها وعقدتها حركة الجهاد الإسلامي من اجل الخروج من عنق الزجاجة. قبل التوقف عند محتوى ومضمون البيان الأخير بيئته ومفرداته؛ يحضرني مبادرتان تقدمت بهما حركة الجهاد الإسلامي على مستوى أمنائها العامين الأولى مبادرة الدكتور رمضان شلح في أكتوبر العام 2016، وسميت بمبادرة النقاط العشر واحتوت خارطة طريق بموجبها كان يمكن الانتقال ونقل المشهد الفلسطيني مما هو عليه إلى حالة أفضل.
وقد دعت المبادرة إلى إلغاء اتفاق أوسلو، وسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، ودعت إلى إعادة بناء منظمة التحرير لتصبح الإطار الوطني الجامع الذي يضم كل قوى وأبناء الشعب الفلسطيني. مؤكدة في أدبياتها أن المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة تحرر وطني، وبالتالي فالأولوية هي لمقاومة الاحتلال ودحره. ودعت إلى إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء وجود سلطتين في رام الله وغزة. وفي أكتوبر العام 2018 تقدم الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الأستاذ زياد النخالة عقب انتخابه بمبادرة من خمس نقاط يمكن إيجازها في التالي:
أولا: اعتبار المصالحة أولوية وطنية في الصراع مع العدو، ثانيا: استرداد المصالحة، ثالثا: عقد لقاء فوري للجنة التحضيرية والشروع في معالجة كل الخلافات والتباينات، رابعا: التأكيد من قبل قوى المقاومة بأن التهدئة لن تلزمنا بعدم الدفاع عن شعبنا ولن نذهب بها إلى اتفاقيات سياسية مع العدو.خامسا: أن يلتزم الجميع بتطوير سبل المقاومة بكافة أشكالها وبحسب ما هو ممكن في الضفة والقدس من أجل مواجهة ما يُسمونه صفقة القرن.
ان جهود حركة الجهاد الإسلامي لم تتوقف ولم تتراجع وان سعيها مستمر من أجل تقديم مبادرة أو خارطة طريق في إطار وطني جامع وشامل يتوافق مع قناعات الحركة ويقوم على المشترك بين كل مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فإن تقديم مبادرة وثانية وثالثة لا يعني إلغاء ما سلف إطلاقا لكنه يعني إعادة المشهد الفلسطيني للخارطة ويعني أن هناك دائما في جعبة الجهاد الإسلامي ما يمكنها أن تقدمه وأن تفعله اذا اقتضى الأمر.
وأن تدحرج المتغيرات والمشاريع والمخططات التي تستهدف القضية الفلسطينية لا يعني الانكفاء والتوقف، وان فكر الحركة وممارستها يستحضران دائما هذه المتغيرات وتوائم خطابها وطرحها وفق ما هو قائم إن كان المشهد يتسع ويحتمل عشر نقاط تقدمها وان ضاق المشهد وتسارعت حركته ومتغيراته قدمت مبادرة من خمس نقاط مع الإبقاء على المشترك بينهما ؛ فمواقف الجهاد الإسلامي لا تتغير بتغير الظروف. ولا بتغير المتغير القيادي وإن كان في قمة رأس الحركة.
إن المتغيرات الحاصلة الداخلي منها والخارجي؛ الإقليمي منها والدولي؛ لم تلهه حركة الجهاد الإسلامي ولم تبعدها عن التقاط خيط مفاده ضرورة أن يكون هناك إجماع واجتماع فلسطيني على ارض غزة من اجل مواجهة كل ما يحاك للقضية الفلسطينية، ولم تكتف الحركة بتقديم خطابها فقط أو تمرير مواقفها ومحاذيرها لكنها ذهبت بعيدا عندما دعت واستدعت كل مكونات المشهد الفلسطيني ووضعت الجميع أمام مسؤولياته.
ولم تكتف بعقد اللقاء فقط، لكنها قدمت خارطة طريق رغم كل الأحداث وقالت عبر بيان مكتوب هو في احد معانيه ودلالاته شهادة للتاريخ وللأجيال؛ بأنه إكمالا واستكمالا لمبادراتها السابقة فإن المصالحة واستعادة الوحدة أولوية وطنية، مع ضرورة تعزيز الصمود والثبات والتمسك بالحقوق والثوابت وهما على رأس الأولويات.
ثم نجحت في إحداث توافق في زمن الانقسام عندما قالت التوافق على صياغة ميثاق شرف يتضمن المبادئ الوطنية التي يلتزم بها الجميع والتصدي لـ»صفقة القرن» ولأي مؤامرات أخرى، ووقف المفاوضات مع الاحتلال وعدم المساس بالحقوق والثوابت، ومنع أي اقتتال داخلي، ووقف التفرد بالحالة الوطنية، وحماية الحريات ووقف كل أشكال التعدي على الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين واحترام التعددية.
تقتضي الموضوعية القول بأن كل مصطلح ورد في ما سبق يحمل دلالة غاية في الأهمية، ويحمل ملامح وطنية عامة شاملة تتعدى كونها خارطة طريق إلى كونها دستوراً يجب الاحتكام إليه كضمانة لعدم الانزلاق.
يقول البيان بتشكيل حكومة وحدة وطنية والدعوة لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، والتوافق على موعد لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، من أجل انتخاب قيادة جديدة قادرة على مواجهة التحديات. واعتماد مبدأ التمثيل النسبي الكامل.
الجهاد الإسلامي وفق خطابها وبياناتها تقول بأنها لن تشارك في أي حكومة فلسطينية تحت سقف أوسلو وربما لم يتغير موقفها من المشاركة في الانتخابات ورغم ذلك لم تستثن ضرورة أن تكون أية حكومة هي حكومة وطنية فلسطينية، وضرورة أن نذهب جميعا سواء سنشارك أو سنمتنع إلى الانتخابات بالتوافق، بالمناسبة رغم مقاطعتها للانتخابات إلا إن حركة الجهاد الإسلامي قدمت مؤخرا نموذجا يشار إليه بالبنان عندما ذهبت لانتخاب أمينها العام وأعضاء مكتبها السياسي ثم استكملت الأمر بانتخاباتها الداخلية.
لم يعف البيان العمق العربي والخارجي من مسؤولياته ووضع مواجهة التطبيع وصفقة القرن على قائمة أولوياته ومطالبه وذهب إلى ضرورة تشكيل جبهة عربية من اجل التصدي لكل ما يحاك للقضية الفلسطينية ويستهدفها وعلى أحرار العرب التقاط ذلك والبناء عليه.
ختاما إن بيان حركة الجهاد الإسلامي عقب اللقاء التشاوري يأتي في سياق منظومة فكرية وعملية تقودها حركة الجهاد الإسلامي وتطرحها وفق عملية تراكمية في الساحة الفلسطينية وهي لا تلتقط الأمر سياسيا فقط أو داخليا، كما أنها لا تسقط أيضا العدو من حساباتها، ولا تسقط من حساباته كونها القادرة وفق الرواية الإسرائيلية على قلب الطاولة، وهي وفق أدائها السياسي والعسكري كانت ولا زالت تشكل صمام أمان للقضية الفلسطينية ولم تلتفت ولم ينزل رماتها عن الجبل.
إن جبهة الاشتباك مع العدو حاضرة مثلما تستحضر تمتين الجبهة الداخلية فقبل البيان الأخير بعشرة أيام وتحديدا في العاشر من ابريل قال الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة : «إن غدر الاحتلال الصهيوني هو اقرب من التزامه بالتفاهمات التي تم الاتفاق عليها لتثبيت التهدئة، وأن المقاومة تقف على أهبة الاستعداد للدفاع عن الشعب الفلسطيني، داعيا إلى توحيد الصف لمواجهة صفقة القرن التي إذا تمت ستنهي الوجود الفلسطيني» كاملا وستصادر كل حقوق الفلسطينيين.
وتساءل: «ما هي خيارات الشعب الفلسطيني أمام هذه الهجمة التي ستنهي حقوقنا في فلسطين إلى الأبد؟ هل نبقى نراوح مكاننا والمتغيرات تحيط بنا من كل جانب، أم نلتفت لأنفسنا ونوحد صفوفنا لنصمد في مواجهة مخططات الأعداء التي تستهدفنا جميعا؟». فكان اللقاء التشاوري إجابة عملية لهذا السؤال المركزي.


التعليقات : 0