آية السيف!... بقلم: جميل عبد النبي

آية السيف!... بقلم: جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

في البداية أؤكد على أن لا شيء في القرآن الكريم اسمه آية السيف، فالقرآن وإن لجأ إلى التحريض على العنف استجابة لتطور مجتمعي طارئ، فإنه سيبقى كتاب الرحمة وليس كتاب السيف، ولقد قرر القرآن ذاته هذه الحقيقة في أكثر من موضع:» وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».. « ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى».

 

وما تحريضه على العنف» يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال» إلا استجابة لمتغيرات لحظة لا بد فيها من القتال، لكنه أبدا ما كان يقرر القتال كمبدأ للحياة، أو وسيلة حصرية للتعامل مع الآخرين، إنما العكس هو الصحيح، فالقتال مكروه» كتب عليكم القتال وهو كره لكم» لكنه أحيانا ضروري لرد أذى يفوق أذى القتال» وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم»

 

أما الأصل: فهو ما جاء مرات ومرات مكررا في القرآن الكريم، حتى يكاد يبدو كلازمة تنتهي بها كل حوارات القرآن مع غير المؤمنين، وتعليقا حتى على لحظات التحريض على القتال الاستثنائية.

 

لكننا أمام مشكلتين خطيرتين في التعامل مع القرآن الكريم، الأولى: تتمثل في انتزاع النصوص من سياقها القرآني، سواء السياق الكلي للقرآن الكريم الذي يحدد وجهته الكلية بنصوصه الكلية، او السياق داخل السور ذاتها التي تحتوي على آيات القتال.

 

أما الثانية: فهي تجاهل السياق التاريخي أو الاجتماعي الذي تنزلت فيه بعض الآيات، حيث من الثابت أن القرآن الكريم استخدم لغة اللحظة وأدواتها المعرفية، كما أقر بعضا من أعرافها مما لا يناقض جوهره ككتاب رحمة يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق، وهذه ليست مجرد نظرية تحتاج إلى شواهد، فشواهد القرآن التي تشير إلى أعراف لحظة النزول وقوانينها كثيرة، سنحاول الإشارة إلى ما يخص موضوعنا بعد قليل.

 

آية السيف! أولا وكما قلنا فإن هذه التسمية الظالمة للآية الخامسة من سورة التوبة ما أنزل الله بها من سلطان، وهي ليست( أي التسمية ) إلا إسقاطا تاريخيا احتاجته ثقافة الفتوحات , ولما كانت النصوص القرآنية تنتهي كلها بكف الأذى عن غير المقاتلين، فما كان من بد سوى التدخل الكهنوتي لحرف السياقات عن مسارها البين والواضح، وهذا يذكرني بالمناسبة بالحروب الدينية التي خاضتها الكنيسة الغربية مبررة الحملات الاستعمارية باسم الدين، رغم أن الأناجيل- حتى بما لحق بها من تصرف بشري- تخلو تقريبا من أي حث على القتال، وإنما دائما كانت تحث على التسليم حتى لمن لطمك على خدك الأيمن بأن تلفت له خدك الأيسر ليلطمك مرة أخرى، لكن نصا واحدا يعلم الله مدى صحة نسبته إلى عيسى عليه السلام، أو الحالة التي استدعته لقوله، قدمه الكهنوت الكنسي الاستعماري عمليا على كل نصوص الرحمة!!! حيث تنسب الأناجيل لعيسى عليه السلام قولا:» أوحسبتم أنما جئت لألقي سلاما بل سيفا» وبقدرة قادر تحول دين السلام إلى مرافق للغزو والإبادة الجماعية التي خاضها الملوك باسم الإله.

 

وبالعودة إلى الآية محل البحث» التوبة 5 « التي قررنا أن تسميتها بآية السيف لا علاقة له بالقرآن الكريم، فإننا نحتاج فقط إلى قراءتها كجزء من سياقها الذي تنزلت فيه، حيث نظن أن أخطر ما أصاب القرآن الكريم هو تقطيعه إلى قطع متناثرة لا علاقة لأي قطعة منها بما قبلها وما بعدها!!

 

الآية 5 من سورة التوبة تقول:» فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم»

 

ببساطة: لو كانت هذه الآية معزولة عن سياقها ولا علاقة لها بباقي القرآن الكريم، فهي إعلان لحرب مفتوحة لا هوادة فيها على كل مشرك لا يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، وهو بين خيارين لا ثالث لهما، إما القتل، وإما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة!!

 

وهذا ما ظنه الذين اتخذوا القرآن عضين، حيث وجدوا أمامهم نصا ظنوه مستقلا تماما عن سياق السورة التي تنزل فيها، ومن ثم- ومن باب اولى- مستقلا عن السياق القرآني الكلي، الذي جاء بعشرات الآيات المناقضة لمنطوق هذا النص( إن كان مستقلا) من قبيل:» لا إكراه في الدين» .. « أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»..» إنما عليك البلاغ»..» ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن».

 

لقد قالوا بالفعل بوجود التناقض!! ولأنهم عقائديا لا يقرون بهذا التناقض على الله سبحانه وتعالى، ذهبوا في اتجاه فكرة النسخ، التي لا تختلف في جوهرها عن فكرة البداء التي طالما هاجموها ورفضوا نسبتها إلى الله.

 

لكن المسالة لم تكن بكل هذا التعقيد، ولا تحتاج لأن نتجرأ على الله بالقول بنسخ بعض آياته وإلغاء فعاليتها من القرآن الكريم! هكذا دون أدلة قطعية على ادعائنا، كنا بحاجة فقط لأن نعيد الآية إلى موضعها وترتيبها في السورة ثم نعيد قراءتها ليس كقطعة مستقلة، وإنما كجزء مما قبلها وما بعدها، وكجزء من نص كلي يتضمن فكرة كلية، لا تعبر عنها فقرة واحدة من مجموعة فقرات.

 

الآن دعونا نعود إلى سورة التوبة:

نعم الآية 1 من السورة تعلن براءة من الله ورسوله من المشركين الذين سبق وعاهدهم المسلمون، ثم الآية 3 تكاد تؤكد نفس المعنى الذي أشارت إليه الآية 1 أما الآية 4 والتي تسبق التي سموها آية السيف مباشرة فتقول بوضوح» إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين» هذا يعني بما لا يقبل الشك: أن الآيات 1و2و3 لم تكن تتحدث عن كل المشركين، وإنما عن أولئك الذين نقضوا عهودهم وظاهروا وناصروا  أعداء المسلمين، وساعدوهم على إيذاء المسلمين، وهذه جريمة لا تقبل بها أي جهة لا تاريخية ولا معاصرة.

 

ثم: الآية 6 والتي تلي الآية محل البحث مباشرة تقول:» وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون».. لاحظوا رغم أنه مشرك فلا بد من إجارته وحمايته حتى يبلغ مكانا يأمن فيه على نفسه، ما يعني أن المقصود بالآية 5 ليس مطلق المشركين، وإنما حصرا ناقضي العهود والمواثيق، ثم الآية 7 « ........ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم .... « ثم الآية 12و13 « وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين»

 

هذا إذن هو سياق الآية التي أرادوها حربا لا هوادة فيها، وهي ليست سوى رد على ناكثي العهود المحاربين المعتدين المتعاونين مع أعداء المسلمين.

 

أما لو ردت إلى سياقها القرآني بمجمله ككتاب يأمر بالدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، ويجعل الإيمان والكفر حقا فرديا لمن شاء، على أن يتحمل مسئولية اختياره فقط يوم القيامة، بينما لا يحق لأي جهة أن تسعى لفرض الإيمان عليه بالقوة، وفقا لمنطوق عشرات الآيات القرآنية الموزعة على طول القرآن وعرضه، فإن النتيجة الحتمية التي تعلن عن نفسها، أن الأمر بالقتال هو للمقاتلين المعتدين، أما غير المعتدين ف» لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم»..» فإن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا».

 

أما السياق التاريخي فأيضا لا يمكن تجاهل ما كانت تبني عليه طبيعة العلاقات بين الأمم والجماعات في تلك اللحظة من الزمن، وما كان من الممكن للقرآن الكريم أن يأمر المسلمين لأن يسلموا أنفسهم لقمة سائغة للمعتدين، فكان لا بد له أن يدعوهم لفعل ما يجب فعله لحماية أنفسهم من أذى المعتدين، وهنا أزعم أنه لو كانت الدنيا في حينه تعرف المواثيق الدولية والمؤسسات الدولية التي يمكنها التدخل لمنع العدوان، لما تجاهل القرآن الكريم وجودها، وربما لحث على اللجوء إليها لمنع الاعتداء، لكن هذا ما كان قائما، وما بني عليه الاجتماع الإنساني في حينه، والقرآن بطبيعته لا يتجاهل حركة الاجتماع الإنساني وأدواته ووسائله، وإنما يستخدم ما يمكن استخدامه، مما يمكنه تحقيق الغايات الكلية، محكوما بقوانين القرآن الأخلاقية الكلية التي ما جاء القرآن إلا لأجلها، ولأجل جعلها أساسا تبني عليه العلاقات الإنسانية فيما هو حادث، وفيما يمكن حدوثه في المستقبل.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق