كريم الزغيّر
بنبرةٍ داخلها الخذلان والتشاؤم ، تحدّت أبو مازن عن شبكةِ الأمانِ الماليّة التي تعهّدت الدول العربيّة تقديمها للسلطةِ، لكنَّ أبا مازن طفِق يضجر من تأخُّرِ هذه الشبكة ، فبدأ حديثه بعبارةِ ” إن شاء الله ” وهي عبارةٌ تستخدم أحيانًا للتعبيرِ عن اليأسِ ، وكي تصبحَ الزّلة ” عفويّة ” تدخّلت ورقة زياد أبو عمرو التي قرأها الرئيس مندهشًا من ” البثِ المُباشر ” .
لم يكنْ الدعم العربيّ الرسميّ للسلطةِ الفلسطينيّةِ إلا للحفاظِ على المؤسّساتِ السلطويّةِ الفلسطينيّة ، فمنذ بداية السبعينيّات تشكلّت علاقةٌ تحالفيّةٌ بين قيادةِ منظّمةِ التحرير الفلسطينيّة والدول الخليجيّة ، فكان السخاء الخليجيّ حينها ليس لدعمِ الشعب الفلسطينيّ كي يُحقِّق طموحه الوطنيّ في تحريرِ أرضهِ والعودة إليها ، ولكن كانت هذه الدول تروم من خلالِ هذا الدعم والسخاء إلى بناءِ طبقةٍ فاسدةٍ داخل الثورة الفلسطينيّة ، هذه الطبقة التي أرست الطروحات غير الوطنيّة ، عبر ” استغباء ” الشعب الفلسطينيّ بالواقعيّةِ واستحالة تحقيق الأهداف الوطنيّة دون القبول بتسويةٍ مع الاحتلال ، وهذه الطروحات اللاوطنيّة أدّت إلى هذا الواقع المناوئ للفلسطينيين، وأدت أيضًا إلى أَنْ يُغمغمَ الرئيس الفلسطينيّ وهو يتحدّث عن خذلانِ هذه الدول له وللسلطةِ في مواجهةِ الإجراءات الإسرائيليّة الابتزازيّة وهي خصم الأموال التي تُدفع لأسر الشهداء والأسرى من أموالِ المقاصّة .
يدبّ السؤال ، كيف هذه الدول تريد الحفاظ على هذه المؤسّسات ولكن تحاصرها ماليًا ؟! .
تتدخّل الإجابة ، أَنَّ هذه الدول تريد التخلُّص من عبءِ القضيّةِ الفلسطينيّة عبر مواءمةِ سلوكها مع ” صفقة القرن ” والتي ترمي إلى اغتيالِ الحقوقِ الفلسطينيّةِ بحلولٍ واقعيّةٍ تضمن الجوانب الأمنيّة للاحتلالِ الإسرائيليِّ، كما وسيطرته على الضفة الغربيّة بصفتها جبهة غير مستقرة ، وهذا الأمر لم تواجهها القيادة الحاليّة بقراراتٍ وطنيّةٍ تتلاءم وهذا التهديد ، فهذه القيادة انتهجت الاقصائيّة والاستحواذ ، واتخذت قرارات ” انفعاليّة ” ، فانغمست في مُهاتراتٍ صبيانيّةٍ ، وتجاهلت اللحظة المصيريّة للمستقبلِ الوطنيّ .
شبكة الأمان الحقيقيّة ، هي الشبكة الشعبيّة الفلسطينيّة ، وهذه الشبكة لن تتحقّقَ إلا بمجلسٍ وطنيٍّ يُمثِّل كافة فئات الشعب الفلسطينيّ ، يتخّذ القرارات التي تتناسب مع هذه التهديدات ، ويعبِّر عن مختلفِ الفئات الفلسطينيّة التي تم تجاهلها ، فالأزمة الماليّة قد يتم تجاوزها ، لكن الأزمة الوطنيّة الإستراتيجية لا يمكن تجاوزها بالهيمنةِ الأوتوقراطيّة داخل المؤسّسات المُرهقة بالفسادِ والوهمِ والفشل .


التعليقات : 0