الشيخ: نافذ عزام
يدور جدل حاد في أمريكا اليوم حول الحقائق التي قام عليها المجتمع الأمريكي، وحول الركائز التي استند إليها، ومبعث ذلك الجدل هو التصرفات والسياسات الهوجاء للإدارة الجديدة، وكما يلخص أحد أبرز الخبراء المختصين في الثقافات الأخلاقية هناك "دف سيدمان" ما يحدث قائلا: "إن ما نعانيه حاليا هو اعتداء على الركائز التي يقوم عليها مجتمعنا وديمقراطيتنا، وتحديدا، ركيزتي الحقيقة والثقة"، ثم يضيف: "ما يجعلنا أمريكيين هو اتفاقنا على الارتباط بالمُثل التي هي أعظم منا وبالحقائق الواضحة كليا، وجميع ذلك يشكل أساس رحلتنا المشتركة نحو أمة أكثر كمالا، المصدر الوحيد للسلطة الشرعية فيها تجسده عبارة نحن الشعب".
وأضاف "سيدمان": "لكن عندما لا يكون هناك (النحن) لأننا لم نعد نتقاسم الحقائق الأساسية، فمعنى ذلك أنه لم تعد هناك سلطة شرعية ولا أساس موحد لمشاركتنا الدائمة"، وهذا الاعتداء على الركائز الأساسية في المجتمع الذي تحدث عنه "سيدمان" ستكون له آثاره المؤثرة على المجتمع الأمريكي وسيتسبب في تفسخ وتفتت كبيرين وسيؤثر وبقوة على أمريكا وسياستها واقتصادها وكل مناحي الحياة فيها.
يكاد يكون هذا الذي تعانيه أمريكا اليوم هو الذي يحافظ على المجتمعات والأمم ويعطيها الزخم والقوة والقدرة على التأثير، وهو بالضبط ما تفتقده الدول العربية والإسلامية اليوم، لأن الأمم لا تقوم على المال وحده ولا على السطوة والقوة، إن الركائز التي ذكرها الخبير الأمريكي هنا، هي ركائز كل مجتمع يطمح للازدهار والتماسك.
الحقيقة، والثقة هما من أبرز ركائز أي مجتمع، وهما معا يشكلان الإطار الأخلاقي للأمة أو ما عبر عنه "دف سيدمان" بـ"النحن"، ولقد كانت أمتنا تتحرك دوما لتعزيز هذه الركائز في الحياة، فالحقيقة هي هدف كبير للفرد والأمة معا، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها، فهو أولى الناس بها".
الحكمة هنا تعني الحقيقة، وتعني الحق، وتعني المثل والأخلاق والعدل والمساواة، الحكمة تعني الخير الذي يجب أن يكون أساس العمل والسلوك والمشاعر، وبالمصطلح السياسي يجب أن تكون الحقيقة هي جوهر البرنامج السياسي للدول والحكومات والجماعات، ويُفترض أن تكون في قلب خطاب الحاكم وسياساته وبرامجه، وهو الذي يعزز الثقة الي تمثل ركيزة هامة في حياة الأمم والشعوب، وإذا كانت هناك نذر خطر يراها الأمريكان بسبب سياسة رئيسهم، وإحساسهم بأن تلك السياسة تهدد الأسس التي قامت عليها بلادهم، فإننا في الوطن العربي والإسلامي مطالبون بالتحرك بقوة حيث أن الحقيقة غائبة تماما عن سياسات وبرامج أغلب الحكومات العربية والإسلامية، وينتج عن غياب الحقيقة والإصرار على تجاهلها بل والعمل ضدها غياب الثقة بين الشعوب وحكوماتها ورؤسائها وقادتها.
وبالتالي تغيب "النحن" التي كانت العنصر الأساسي في بناء الأمة وقيادتها بدورها الإلهي والتاريخي المسؤول.
لقد أعطى الإسلام قيمة كبيرة للفرد ومنحه حقوقا كبيرة، واعتبر حياته وأمنه وكرامته أهم من الدنيا وما فيها، لكنه دفع الفرد دائما لتعزيز المجتمع وتقوية الجماعة الكبيرة التي هي الأمة، وحثه دوما على تعزيز الروح الجماعية في العمل والمشاعر، حتى العبادة اعتبر من أداها بشكل جماعي أكثر فائدة وبركة "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة"، "وتعاونوا على البر والتقوى".. ولا قيمة لعمل الفرد إن كان معاكسا لمصلحة الأمة والأهداف الكبيرة لها.
يقف الوطن العربي والإسلامي أمام أخطر محطات تاريخه المعاصر والحديث، والمؤسف أن الركائز التي تضمن بقاء المجتمع، وتعينه للقيام بدوره الإيجابي والأخلاقي تتعرض للتدمير منذ سنوات، ووصل التدمير إلى ذروته المرعبة هذه الأيام، وهذا يمثل جرس إنذار لنا جميعا، للنخب السياسية والثقافية والفكرية والمجتمعية، للعلماء والمفكرين والوجهاء، لكل شرائح ومكونات الأمة، ونظن أننا لا نبالغ إذا قلنا إن الإحساس بالخطر على المجتمع وقيمه الذي يعبر عنه الأمريكيون اليوم، يجب أن يكون حافزا عندنا بإلحاح أشد، كوننا الذين وضعت أمانة الدفاع عن القيم والمثل بين أيدينا ومثلت الإرث المقدس في حياتنا.
ما تفعله الحكومات والدل في العالم العربي والإسلامي لا يجوز أن يُنظر إليه على أنه خلاف حول المصالح لتلك الدول، أو سعي لمزيد من السيطرة والنفوذ.
ما تفعله الحكومات يهدد كيان الأمة، ويجردها من أهم عناصر قوتها، ويحرمها من فرصة العودة واستعادة التضامن والانسجام وإذا لم نتدارك ما يجري، فإن الكارثة ستتسع وتتسع وحينها لا ينفع الندم!.


التعليقات : 0