أحمد عبد الرحمن
أثبتت التجارب العملية التي عاشها الشعب الفلسطيني منذ عشرات السنين وهو يرزح تحت ظلم الاحتلال أن هناك ارتباطا وثيقا بين ما يحدث داخل منظومة العدو من تطورات عسكرية أو سياسية ومدى انعكاسه بصورة أو بآخري على الجانب الفلسطيني . وفي معظم الحالات التي انعكست فيها تلك الأحداث والتطورات على الشعب الفلسطيني كانت النتائج سلبية وخطيرة ولم تحمل في طياتها ولو لمرة واحدة الخير والسلام لهذا الشعب المكافح والمظلوم . فكلما حدثت أزمة لدي هذا الكيان المتوحش يحاول جاهدا الخلاص منها أو لفت الأنظار عنها من خلال الاعتداء على شعبنا ومقدساتنا ، والتغول على أطفالنا ونسائنا وتدمير مقومات الحياة البسيطة لدينا . ولسنا بحاجة للعودة للوراء كثيرا حتى نلحظ تلك الوقائع والجرائم !! والجميع يذكر ما كان يجري إبان الانتخابات الداخلية لدي هذا الكيان واستخدامهم الدم الفلسطيني كورقة رابحة لكسب أصوات الناخب الصهيوني الذي يميل بطبيعته نحو التشدد .
ما أردت الوصول إليه من خلال هذه المقدمة هو توقع وتصور ما قد يحدث خلال المرحلة القادمة في ظل فشل نتنياهو حتى الآن في تشكيل حكومة صهيونية جديدة ، وما يواجهه من عقبات في هذا المجال !! خصوصا في ظل وجود منافس قوي له من خلال حزب أزرق- أبيض برئاسة ( بيني غانتس ) الذي يحظى بشعبية كبيرة لدي المجتمع الصهيوني لخلفيته العسكرية بالتحديد. وحتى نصل إلى هذا التصور علينا الرجوع بذاكرتنا إلى الوراء قليلا ونستذكر استحقاقين مهمين مر بهما نتنياهو ، الأول كان في منتصف مارس حيث كان الاحتلال في ذروة الاستعدادات لإجراء الانتخابات الداخلية وهذه فترة حساسة للغاية ودقيقة إلى أبعد الحدود !! ويمكن لأي خطأ يقع فيه نتنياهو في تلك الفترة أن يكلفه خسارة الانتخابات . حينها تم إطلاق صاروخين من غزة على مدينة تل أبيب بصورة فاجأت الجميع ، وشكلت صدمة لدي المستوطنين الصهاينة الذين اكتشفوا هشاشة الوضع الأمني لديهم على عكس التطمينات التي كانوا يسمعونها من قادتهم السياسيين والعسكريين .
ذلك الحدث اعتقد الجميع حتى في غزة أنه قد يؤدي إلى مواجهة كبيرة وطويلة على غرار حرب2014 م على سبيل المثال إلا ان ذلك لم يحدث وكان رد الفعل غارات جوية على مواقع عسكرية للمقاومة كما جرت العادة هنا فضّل نتنياهو مصلحته الخاصة وآثر العودة إلى الهدوء وابتلاع الإهانة واللطمة التي وُجهت له تحسبا لأي تداعيات قد تذهب بطموحاته الانتخابية إلى ما لا يحمد عقباه .
التطور الثاني اللافت في هذا الإطار كان جولة التصعيد الأخيرة التي استمرت يومين والتي شكلت انتكاسة كبيرة لقوة الردع لدى جيش الاحتلال، وكشفت تصدع كبير في الجبهة الداخلية، وأظهرت هشاشة وضعف المنظومة العسكرية والأمنية رغم ما تملكه من إمكانيات هائلة . وفي تلك المرة أيضا كان نتنياهو على المحك ويتعرض لاختبار قاس يتعلق بحدث عالمي ومهم بالنسبة للكيان ألا وهو " مسابقة الأغنية الأوروبية " والذي كان مقررا تنظيمه من قبل الكيان الصهيوني على أرضنا المحتلة !! وأهمية هذا الحدث انه يعطي شرعية لدولة الاحتلال من خلال مئات الوفود وملايين المشاهدين الذين سيتابعون هذا الحدث العالمي !! ومحاولة إظهار هذه الدولة المجرمة بمظهر حضاري يضعها في مصاف الدول الكبرى التي يُشد إليها الرحال . ورغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها العدو وحجم الدمار الذي سببته صواريخ المقاومة إلا أن نتنياهو اختار مجددا الركون للهدوء وتقديم تنازلات قد يراها البعض في الجانب الفلسطيني غير كافية ولكنها مست بطريقة أو باخري بهيبة هذه الدولة وجعلتها تبدو بمظهر العاجز عن مواجهة المقاومة الفلسطينية .
الآن نتنياهو أمام استحقاق ثالث تبدو فيه الظروف قد اختلفت إلى حدٍ كبير، فهو لم ينجح حتى الآن في مسعاه لتشكيل الحكومة !! ويتعرض للابتزاز من الأحزاب الدينية المتشددة ومن ليبرمان أيضا ، وكذلك يعيش الإقليم على وقع حالة من التوتر العالي بفعل التهديدات الأمريكية لإيران ، واحتمال وقوع مواجهة عسكرية لن يكون الكيان بمنأى عنها ولا عن تداعياها !! وهنا يبدو أيضا نتنياهو في موقف لا يُحسد عليه !! داخليا عاجز عن استغلال فوزه في الانتخابات للوصول للحكم !! وخارجيا المخاطر تحوم فوق رأسه وقد تصيبه حممها إن وصلت الأمور حد المواجهة العسكرية!! أضف إلى ذلك الصداع الأزلي الذي يؤرقه صباح مساء وهي غزة ومقاومتها الباسلة وما تشكله من تهديد استراتيجي للكيان على أكثر من صعيد .
فهل يستمر نتنياهو في استخدام نفس الطريقة المعتادة لديه لمواجهة هذا الاستحقاق من خلال إتباع سياسة المهادنة وتقديم التنازلات وتمرير هذه المرحلة كسابقاتها حتى الوصول لمبتغاه وهدفه الأهم حاليا وهو تشكيل الحكومة !! أم يحاول الهروب إلى الأمام من خلال افتعال مواجهة جديدة قد تكون صعبة مع إحدى جبهات المقاومة سواء الشمالية في لبنان أو الجنوبية في غزة !! هل ينتظر لمشاهدة تطورات الإقليم وما قد يحدث فيه من مفاجئات غير متوقعة !! أم يبادر هو بالتحرك باتجاه خيارات صعبة قد تودي بمستقبله السياسي إلى الهاوية !! الأيام والأسابيع القادمة تبدو صعبة ومفتوحة على كل الاحتمالات وقد تشهد تطورات دراماتيكية على أكثر من صعيد !! ويبدو أن صيف المنطقة ومن ضمنه قطاع غزة قد يكون شديد السخونة مع أنا لا نتمنى ذلك .


التعليقات : 0