نبيل دويكات
إذن فان حديث الشارع هذه الأيام يتركز حول موضوع الزيادة على رواتب رئيس الحكومة والوزراء. حيث يجري تداول صورة لكتاب رسمي حكومي بإقرار زيادة بقيمة ألفي دولار على الرواتب. وفي تفاعلات الموضوع أكد أمين عام مجلس الوزراء بان الكتاب صحيح، وهو موجود منذ ما يقارب العامين. وفي منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أشار وزير مستقيل من الحكومة السابقة إلى ان جميع وزراء الحكومة السابقة كانوا فعلاً يطالبون بزيادة رواتبهم.
تفاعلات هذا الأمر وتداعياته عديدة ومتفرعة، وحتى لا أطيل فإنني سأكتفي بالتطرق إلى جملة من القضايا ذات العلاقة، ورغم ذلك فانه لا يفوتني قبل ذلك التطرق إلى السؤال التقليدي الذي يدور في أذهان الكثيرين وهو: إذا كان الموضوع قد تم منذ عامين فلماذا تم "التكتم" على الموضوع طوال هذه الفترة؟! ولماذا تتم إثارته الآن؟! رغم مشروعية النقد الموجه إلى قرار الزيادة.
من الناحية القانونية، فان المؤشرات تشير إلى ان قرار الزيادة لم يكن قانونياً، ولم يمر عبر القنوات القانونية، وبالتالي فان "الحكومة" قامت بإجراء غير قانوني طوال عامين كاملين، بموافقة كامل أعضاء ووزراء الحكومة، أو صمت بعضهم على الأقل، وهنا الخطورة في الأمر إذا كيف يحظى مثل هذا السلوك غير القانوني بمثل هذا الإجماع؟! هذا في ذات الوقت الذي كانت فيه كل قرارات وبيانات الحكومة ووزرائها خلال فترة العامين يغلب عليها عنوان السعي إلى تكريس النظام وسيادة القانون.
من زاوية ثانية فان الكشف عن الأمر يعيد طرح موضوع الشفافية إلى الواجهة من جديد. وفي اعتقادي فان "التكتم" على الزيادة، ربما يكون اخطر من قيمة الزيادة بحد ذاتها، ذلك ان الكشف عنه بعد عامين من حدوثه يشير إلى ان هناك أزمة حادة في الثقة بين الحكومة ووزرائها وبين المواطنين عموماً، وتنعدم الشفافية والمكاشفة. إذ كيف يعقل ان يكون مجمل خطاب الحكومة يدور حول المواطنين وتسهيل وتحسين ظروف عيشهم وتمكينهم من الصمود على أرضهم، حتى ان خطة الحكومة المقرة للأعوام (2017-2022) حملت عنوان "المواطن أولا، في حين ان واقع التطبيق في أروقة الحكومة كان زيادة رواتب الوزراء احد أهم الأولويات؟! فأين كان المواطن ومصلحته؟!.
من زاوية ثالثة هذا الأمر يعيد طرح موضوع الرواتب عموماً للنقاش المجتمعي. فمن ناحية فان رواتب الوزراء ورئيس الحكومة تبدو "قليلة" مقارنة ببعض الرواتب التي يتقاضاها بعض موظفي الهيئات والمؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية، ونحن نعرف ان بعضها قد يصل إلى ضعف أو إضعاف رواتب الوزراء حتى بعد تلك الزيادة؟! ومن ناحية ثانية فان هذه الرواتب تعتبر "خيالية" في مقاييس الحكومة نفسها ووزراءها، حتى أولئك الوزراء منهم الذين ساهموا في رسم سياسة الحكومة في مجال التشغيل وحقوق العاملين. فتصدى بعضهم لحراك المعلمين مثلاً الذي كان يطالب بتحسين رواتب العاملين في التعليم، وتصدى وزراء آخرون لحراك الضمان الاجتماعي، وفشل آخرون في إجراء تعديلات على الحد الأدنى للأجور الذي نعلم جميعاً انه لا يتعدى أربعمائة دولار، بل وفشل بعضهم حتى في إيجاد آلية مناسبة لمراقبة تطبيق حتى هذا الحد الأدنى المجحف، ووصلت أجور العمال في بعض القطاعات إلى ما يقارب مائتي دولار فقط لا غير.
وكما تقول المقولة الشعبية "اللهم لا حسد"، قد يستحق الوزراء رواتب مثل هذه، وقد يستحقون أكثر أو اقل، ونفس الأمر ينطبق على كل الهيئات والمؤسسات الحكومية، وغير الحكومية (الأهلية والخاصة)، العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور، والوزير الذي يتقاضى أربعة آلاف دولار، والموظف الذي يتقاضى عشرة آلاف دولار، وهناك بعض الموظفين يتقاضون أكثر من عشرين ألف دولار ويجادلون بأنهم يستحقون أكثر، كل منهم يرى انه يستحق راتبا مرتفعاً، ويستحق زيادة على راتبه، فكيف الخروج من هذه الدوامة؟! اعتقد انه يمكن ذلك من خلال سياسة وطنية عامة "عادلة" للأجور والرواتب، تجمع عليها كل فئات وشرائح المواطنين. وحتى ان تعذر تطبيقها كاملة، فإنها على الأقل ستكون موجه عام لسياسة الأجور في الوطن.
اعتقد ان طرح الأمور بهذا الشكل يطرح تحدي كبير أمام حكومة د. محمد اشتية، لا يقل عن التحديات السياسية القائمة. وبالعكس فإنني اعتقد ان النجاح في مواجهة أية تحديات سياسية لن يكون ممكناً إلا في ظل تصدي ناجح بامتياز للتحديات الداخلية، تعزيز الشفافية والمكاشفة أولا، تعزيز سيادة النظام والقانون وضمان المساواة بين الجميع تحت سقف القانون، والتحسين الفعلي، وليس الخطابي، في جودة ونوعية الخدمات المقدمة للمواطنين. وبدون تحقيق ذلك فانه يبقى قائم دائماً في "اللاشعور" للمواطنين، أفرادا وجماعات ذلك الهاجس القائل، ما هو الجديد الذي ستكشفه لنا الأيام لتبت لنا ان شكوكنا وتخوفاتنا كانت في محلها؟! وان كل ما نسمعه من خطب وشعارات لم تكن تساوي حتى الحبر الذي تكتب به.


التعليقات : 0