صفقة القرن وترسيم الحدود مع لبنان... معروف الطيب

صفقة القرن وترسيم الحدود مع لبنان... معروف الطيب
أقلام وآراء

 

بقلم : معروف الطيب

"الحياة مقابل القدس" هذا باختصار مشروع صفقة القرن، وهذا يتطلب دفع الجميع إلى حافة اليأس ثم فتح باب أمل ضئيل للحياة.وإن قبول دولة الكيان الصهيوني بترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة وإن بدا تراجعاً صهيونياً إلا أنه يحمل في طياته عبقرية سياسية وعمقاً في التفكير الاستراتيجي، ولا يجوز النظر إليه بعيداً عن مشروع صفقة القرن، وأهم ما يحمله من مخاطر هو سحب الذرائع أمام المقاومة في لبنان، وإبطال مبرر وجود حزب الله الذي يستمد وجوده ولو نظرياً من بقاء الاحتلال على أية أرض لبنانية، ولطالما كان السؤال محرجاً لقيادة حزب الله" ماذا لو قررت إسرائيل فجأة الانسحاب من مزارع شبعا وقرية الغجر ومرتفعات كفر شوبا؟!". على اعتبار أن المقاومة اللبنانية لم تضع هذا الاحتمال في حساباتها. والحقيقة أن المقاومة جاهزة لكل السيناريوهات والاحتمالات.

 

ولاشك أن الموافقة الصهيونية المفاجئة تمثل فيما تمثله تقوية للجهات اللبنانية التي طالما تحدثت في سلاح المقاومة وعبَّرت عن مدى انزعاجها منه وشككت في شرعيته، بالتالي إضعاف موقف المقاومة التي تمسكت بسلاحها بصفته الحامي لحدود الوطن في معادلة: الجيش والمقاومة والشعب، وتأمل (إسرائيل) من خلال هذه الموافقة  حشر المقاومة في زاوية الجدل الداخلي واضطرارها إلى تعديل رواية  سلاحها لتجد نفسها مضطرة بالتحدث عن تحرير فلسطين لا لبنان وحسب، وهذا من شأنه أن يؤلب عليها جميع المتماهين مع المشروع الصهيوني والسعودي وحلفائهم وبالتالي تصبح منظمة إرهابية لأنها رغم انسحاب إسرائيل من كامل التراب اللبناني وفق خارطة المقاومة ذاتها إلا أنها لا زالت تبرر امتلاكها للسلاح وهي تريد إزالة إسرائيل عن الوجود لا تحرير التراب اللبناني الذي تغادره إسرائيل طوعاً.

 

وهناك من كان ينتظر هذا القرار للإيقاع بحزب الله، ولا شك أنَّ هذا القرار مأزق حقيقي لمشروع المقاومة الذي تقع فلسطين في قلبه لا لبنان. ويبدو أن الإدارة الأمريكية بعدما تشاورت مع حلفاءها العرب وبالذات الخليجيين توصلت إلى أن صفقة القرن لكي تكون جاهزة للتنفيذ والحياة يجب التمهيد لها بعدة خطوات: أولها توطين الفلسطينيين في لبنان وسورية، والتوطين لن يتم طالما حزب الله يمتلك تلك القوة والحيوية والحاضنة الشعبية، ولكي نقضي على حزب الله لا ينفع خوض معركة معه، لأنه اكتسب طاقة فعل خطيرة من خلال الحرب التي خاضها في سورية لمدة سبع سنوات، وإن حرباً من إسرائيل ضده سوف تكسبه تأييداً عربياً وإسلامياً غير مسبوق وهذا سيشكل خطراً وجودياً على إسرائيل، لابد إذن من تأليب الداخل اللبناني عليه، ولا يتم ذلك سوى بسحب ذرائع سلاحه ويمثل الانسحاب وترسيم الحدود الخطوة الأهم في هذه المتتالية.

يبدو أن صفقة القرن كمشروع تصفوي للقضية الفلسطينية أخذ شكل التحدي من الإدارة الأمريكية مدفوعة بالجوقة الخليجية والذين قرروا تجاوز أصحاب القضية الأصليين في المنامة، وإن ما يحدث منذ الآن فصاعدا في المنطقة برمتها يصب في ذات السياق، خنق إيران وتقليم أظافرها وتفكيك حلقات الممانعة وخنق غزة واخضاعها وإفقار السلطة وتجويع الشعب الفلسطيني ليقبل بما لا يريد، وتهديد الأردن وصياغة حلول على حسابه وتوطين اللاجئين في البلدان التي تستضيفهم، وترسيم الحدود البرية والبحرية استرضاء للبنان لإخراجه من دائرة الصراع؛ ليلفظ مقاومته ويجرم بقاء سلاحها، وكذلك فتح مشاريع استثمارية وهمية لإسالة لعاب الفلسطينيين.

 ربما ستشهد الأيام القادمة تصعيداً خطيراً باتجاه إيران وغزة، لأن ما بعد الحرب يأتي السلام ومشروع صفقة القرن لا يمكن أن يتم إلا من خلال خلط شديد للأوراق، وفي فصوله الأخيرة سيشمل تهجير أهل غزة جميعاً باتجاه سيناء لفرض واقع يتبعثر فيه الوجود الفلسطيني بلا سلطة وبلا كيان سوى وجود هلامي مبني على مصالح اقتصادية محدودة لا تتجاوز لقمة العيش.

التعليقات : 0

إضافة تعليق