لماذا اختاروا البحرين لمؤتمر تنفيذ صفقة القرن؟... المحامي سفيان الشوا

لماذا اختاروا البحرين لمؤتمر تنفيذ صفقة القرن؟... المحامي سفيان الشوا
أقلام وآراء

المحامي سفيان الشوا

انطلقت مزامير داود الإعلامية تغطي الكرة الأرضية بالخبر السعيد الذي سوف يثلج صدر نتنياهو  وكوشنير ومن معهما من الزعماء العرب, بعيدا عن الفلسطينيين, وهو تحديد موعد انعقاد مؤتمر في البحرين, لتنفيذ المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية الصهيونية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي, والتي أطلقوا عليها اسم صفقة القرن. صفقة القرن تبدأ في الظهور على مسرح الحياة بعد غياب طويل, وتردد في إظهارها رسميا, بل وتأجيل النطق بها عدة مرات ولأسباب متعددة, تارة بسبب الانتخابات الإسرائيلية, وتارة بحجة قدوم شهر رمضان المبارك, وتارة بسبب فشل نتنياهو في تشكيل حكومة إسرائيلية..الخ.

 

اكتفت الإدارة الأمريكية بإظهار مخطط صفقة القرن على دفعات, على شكل تسريبات صحفية عبر الصحف الإسرائيلية والصحف الأمريكية, وكأنها تخشى من الكشف عنها رسميا دفعة واحدة, ربما خشية من فشلها بعد طول انتظار, فقرر المخرج الأمريكي ان تصلنا على حلقات مثل المسلسلات الأمريكية, التي نشاهدها على شاشة التلفاز,  ولكن بدون ذكر سبب تأخيرها صراحة وبصفة رسمية. المهم تم اختيار البحرين لإقامة المؤتمر العتيد الذي يبحث الجانب الاقتصادي من خطة صفقة القرن, على ان يتم بحث الجانب السياسي لتلك الخطة في موعد لاحق, وربما في مكان آخر, سوف يعلن عنه في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد بحسب الظروف, وفقا لما سوف تلاقيه الخطة من نجاح  أو فشل,  بعد شرح الخطة الاقتصادية التي سمعنا عنها, وأنها بخصوص جمع مئات المليارات من الدولارات من اجل دفعها إلى الشعب الفلسطيني لتحسين حالته الاقتصادية .

وقبل الدخول في تفصيلات المرحلة الاقتصادية لصفقة القرن, نتساءل لماذا اختاروا البحرين, من اجل إقامة مؤتمر أو ورشة عمل لتنفيذ صفقة القرن, بالرغم من بعدها عن  فلسطين؟ وعدم تأثيرها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ..؟ بل وعدم قدرتها المالية..؟

 

الشعب اليهودي يؤمن بالتنجيم وبالسحر وبالتنبؤات التي امتلأت بها كتبهم المقدسة مثل التوراة والتلمود. فقد اقترح اليهود على الولايات المتحدة ان يكون مؤتمر السلام الأول بين الدول العربية وإسرائيل الذي انعقد سنة 1991 ان تكون ( مدينة مدريد) الاسبانية مكانا له ولم يفهم الأمريكان سر اختيار تلك المدينة, بالرغم من بعدها عن مكان الإحداث في الشرق الأوسط..؟ إلا ان اليهود بحسب معتقداتهم رأوا ان النجاح يجب ان يبدأ من اسبانيا, ذلك بان اسبانيا شكلت ما عرف في التاريخ (بمحاكم التفتيش) لليهود, وكان إعدام اليهود يتم في اسبانيا في القرن الخامس عشر بالمقصله التي تقطع الرأس عن الجسم, وطرد اليهود من اسبانيا سنة 1491م أي قبل 500 سنة من تاريخ عقد مؤتمر مدريد, فرأى اليهود ان يقولوا إلي الأسبان لقد عدنا, وهذا نفس الشيء عند توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية سنة 1984م, فقد اقترحت إسرائيل ان يتم التوقيع في وادي عربة في غرب الأردن, وسميت معاهدة السلام بمعاهدة وادي عربة, ولم يفهم الأردنيون سبب اقتراح إسرائيل هذه التسمية, إلا ان إسرائيل أرادت ان تذكرهم بان (وادي عربة) كان فيه بيت من خشب.. واجتمعت فيه (جولدا مائير) رئيسة وزراء إسرائيل مع جلالة الملك الحسين لأول مرة سنة 1956 , أي ان السلام  بين الأردن وإسرائيل قديم ويرجع إلي وادي عربة.

 

وهذا نفس المنطق عندما احتلت فرنسا سوريا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى سنة 1918 , فقد دخل ( الجنرال جورو) قائد الحملة الفرنسية إلي دمشق, ثم دخل المسجد الأموي, وانتقل إلي قبر الشهيد البطل صلاح الدين الأيوبي, ووضع عصاه على القبر وقال.. ها قد عدنا يا صلاح الدين..؟ يقصد ان صلاح الدين هزم الصليبيين وطردهم من القدس الشريف ومن الشام إلا ان الفرنسيين وهم جزء من الصليبيين قد عادوا بعد مئات السنين.

 

بالنسبة للبحرين فهو مهم لليهود بدرجة كبيرة أكثر من التنبؤات, ذلك ان اليهود في البحرين  هم  طائفة تعود جذورها إلي ما قبل الإسلام, ويروي بعض المؤرخين ان (النبي موسى) عليه السلام جاء إلي البحرين في إحدى رحلاته, ويوجد في البحرين كنيس هام جدا خلف فندق صحاري في أهم أركان مدينة المنامة, بني سنة 1931, وللكنيس أهمية واحترام بالنسبة للحكم في البحرين, ويوجد في مجلس الشورى البحريني نائبة يهودية هي هدى عزرا نونو, أي ان البحرين ترحب باليهود منذ القدم وهذا تذكير بذلك, وهذا الاختيار يسير في خط موازٍ للتفكير اليهودي في اختيار الأماكن المهمة عند المناسبات التي تتعلق بالشعب اليهودي  .

 

أما بالنسبة لجدول المؤتمر,  فقد تسرب من خلال الصحف الإسرائيلية ان الولايات المتحدة وهي راعية المؤتمر, وصاحبة خطة صفقة القرن, وسوف تطلب  من الدول الغربية جمع 800 مليار دولار لتقديمها إلي الفلسطينيين والي الأردن والي مصر والي إسرائيل كل بحسب دوره في الكعكة الفلسطينية, والمبلغ المذكور سوف يتم جمعه على الشكل التالي :-  اليابان تدفع 100 مليار دولار ومن كوريا الجنوبية 100 مليار دولار ومن ألمانيا 100 مليار دولار ومن السعودية 200 مليار دولار ومن الإمارات العربية المتحدة 100 مليار دولار ومن كندا 100 مليار دولار وقيل ربما أي ليس أكيدا, ان الولايات المتحدة ربما تساهم في هذا المشروع الخيري بمبلغ 100 مليار دولار.

 

واضح ان هذا المؤتمر الذي أطلقوا عليه تنفيذ القسم الاقتصادي من خطة صفقة القرن, ليس إلا مؤتمراً خيرياً أو مؤتمر تسول, لجمع مبلغ 800 مليار دولار من الدول الغنية, أو من أهل الخير, وان كان الشك كبيراً حول رفض الدول المذكورة في تلبية ما يطلب منها, أما الحضور في هذا المؤتمر فهو مخيب للراعي, ذلك ان الحضور هم السعودية والإمارات العربية المتحدة, ورفضت فلسطين الحضور إلي المؤتمر رفضا قاطعا, سواء السلطة الفلسطينية من (رام الله) أو حركة حماس والجهاد وباقي الفصائل الفلسطينية المتواجدين في (غزة ), واعتبروا ان هذا المؤتمر تنفيذ لخطة صفقة القرن, التي اعتبروها القضاء الأخير على آمال الفلسطينيين, في إقامة دولة فلسطينية على الأرض الفلسطينية المحتلة سنة 1967, وعاصمتها القدس الشرقية بحسب المبادرة العربية وقرارات الأمم المتحدة, فليس من المعقول ان يبيع الفلسطينيون وطنهم ويسكنوا في صحراء سيناء, كما تنص عليه صفقة القرن .

 

وكذلك رفض الأردن الحضور لان جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم وصي على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس, فالأردن رفض صفقة القرن  تماما, وكذلك مصر الشقيقة , فقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي بان مصر لن تقبل أي اتفاقية لا يوافق عليها الفلسطينيون .

 

وأخيرا هذا هو موقف القمة العربية التي عقدت في مكة المكرمة الأسبوع الماضي, وهو موقف الأمة الإسلامية أيضا . من هذا الشرح نستطيع القول بان مؤتمر البحرين سوف يفشل في تحقيق أهدافه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق