د. سفیان أبو زایدة
حركة نشطة للزنانات في سماء غزة أكثر مما كان عليه الوضع في الأيام و الأسابيع الأخيرة. إسرائيل تقرر إغلاق البحر بشكل كامل أمام الصيادين الفلسطينيين بعد ان قلصت مساحه الصيد قبل يومين فقط. أكثر من مئتين من مسؤولي الأمن في غلاف غزة يعتصمون احتجاجا على استمرار إطلاق البالونات الحارقة التي تسببت في حرق آلاف الدونمات من المحاصيل الزراعية وقبل ذلك وفي حركة احتجاجية تعبيرا عن فقدان صبرهم لما يجري لهم امتنعوا عن إطفاء هذه الحرائق في بعض المناطق.
ليلة أمس أعلنت إسرائيل ان القبة الحديدية تصدت لصاروخ أطلق من غزة قبل ان ترد القوات الإسرائيلية بقصف لبعض المواقع. وأمس أيضا أعلنت قيادة الجبهة الداخلية عن تغيير في آلية عمل صافرات الإنذار بحيث تصبح أكثر موضعية تقسم المدن و البلدات إلى مناطق تطلق صافرات الإنذار فقط في المنطقة المحددة التي من المحتمل ان يسقط عليها الصاروخ وذلك بهدف تخفيف الضغط النفسي الناتج عن نزولهم إلى الملاجئ و الغرف المحصنة في كل مره تعمل فيها صافرات الإنذار. خطوة ليس لها أي تفسير آخر سوى ان إسرائيل تستعد إلى جولة جديدة من التصعيد، جولة جديدة ستحاول فرض قواعدها من حيث البداية و حتى النهاية و ما بينهما. خلال الأيام والأسابيع الماضية كانت هناك رسائل متبادلة بين غزة و تل أبيب تعبر عن فقدان صبر كلا الطرفين.
مضمون الرسالة الإسرائيلية أنهم لن يتقدموا أي خطوه جديدة في كل ما يتعلق بتنفيذ الالتزامات التي تعهدوا بها بعد جولة التصعيد الأخيرة طالما مسيرات فك الحصار مستمرة و طالما إطلاق البالونات الحارقة التي أصبحت مؤذية جدا مستمر. والأمر القديم الجديد هو لا تغيير جذري في الوضع القائم في غزة قبل إعادة الجنود والجثث دون أي استعداد للاستجابة لشروط حماس خاصة فيما يتعلق بالشرط المسبق وهو إطلاق سراح أسرى صفقة شاليط التي أعادت إسرائيل اعتقالهم في الضفة الغربية عام ٢٠١٤. الرسائل الإسرائيلية كانت تحمل ما يكفي من الحدية التي تعبر عن استعدادهم للدخول في جولة تصعيد جديدة و تحمل نتائجها.
في مقابل ذلك كانت رسالة غزة للإسرائيليين سواء من خلال الوسطاء أو من خلال البالونات الحارقة ان مسيرات فك الحصار ستتواصل و لن يتم إيقافها طالما غزة محاصرة و طالما غزة تعاني و ان إطلاق البالونات الحارقة هي إحدى الوسائل الأقل تكلفه للتعبير عن فقدان الصبر الناتج عن المماطلة الإسرائيلية في تنفيذ التزاماتها. ان لم يحدث تطورات خلال الفترة القليلة القادمة هذا يعني ان جولة التصعيد القادمة أصبحت على البواب . ولان جولة التصعيد الأخيرة كانت مؤذية جدا بالنسبة للإسرائيليين قياسا مع حجم الإصابات في الأرواح و حجم الدمار الذي تسببت به الصواريخ التي أطلقت بكثافة شوشت جزئيا على عمل القبة الحديدية على الرغم من الرد القاسي خلال أيام التصعيد والذي أدى إلى استشهاد ما يقارب ثلاثين فلسطيني و جرح العشرات و تدمير عشرات البيوت و المباني الخاصة و العامة. لذلك من المفترض ان يكون هناك استخلاص للعبر بحيث تكون فترة التصعيد اقصر مدة و الضربات أكثر عنفا و تجنب وقوع الأضرار قدر الإمكان.
لكن السؤال هو لماذا تريد إسرائيل الذهاب إلى هذه الجولة من التصعيد و ما الذي يمكن ان تحققه من هذه الجولة التي قد تكون أكثر قسوة مما كان عليه الوضع بعد ان استخلصوا العبر من جولة التصعيد الأخيرة؟
أولا: هناك اعتقاد سائد لدى الأوساط السياسية و الأمنية على حدا سوأ في إسرائيل بأن الفصائل الفلسطينية قد خرجت من المعركة الأخيرة و هي أكثر ثقة بالنفس و أكثر قدرة على إيقاع الأذى في صفوف الإسرائيليين، هذا يعني ان قدرة الردع الإسرائيلية ليس فقط لم يتم تعزيزيها بل تم سحقها مما يتطلب معالجة هذا الأمر في اقرب جولة ممكنه.
تعزيز قوة الردع الإسرائيلية يحتاج إلى الإقدام على خطوات و أساليب أكثر قسوة . مع الأخذ بعين الاعتبار عدم الانزلاق إلى مواجهه شاملة. حتى الآن لم تجد إسرائيل هذه الخلطة السحرية التي تبقي على قوة الردع الإسرائيلية مع استمرار الحصار وعدم اعتماد إستراتيجية تجاه غزة و في نفس الوقت عدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تجعلها تغرق في وحل غزة دون ان تعرف كيف تخرج منه.
ثانيا: استمرار مسيرات فك الحصار و المماحكة على الحدود و إطلاق البالونات الحارقة التي على ما يبدو لم تعد وكأنها لعب أطفال بل أصبحت تحمل بمواد حارقه تؤدي إلى وقوع أضرار مؤذية. هذا الأمر يحرج نتنياهو أولا بصفته وزيرا للحرب و يحرج الجيش الإسرائيلي الذي لا يريد ان يتورط في مواجهات وجولات تصعيد في ظل تهرب القيادة السياسية من اتخاذ قرارات إستراتيجية.
مع ذلك استمرار إطلاق البالونات الحارقة و التوتر الأسبوعي على الحدود يجعل قيادة الجيش الإسرائيلي تحت الضغط المتواصل الذي قد ينتهي بجولة تصعيد تبدو قريبة جدا.
ثالثا: التطورات السياسية في إسرائيل، سيما الذهاب إلى خيار الانتخابات العامة ، ستفرض نفسها على آلية اتخاذ القرارات في كل ما يتعلق بتطورات الأوضاع في غزة.
هذه التطورات تجعل نتنياهو أكثر حذرا في التعامل مع التفاهمات التي تم الاتفاق عليها في ظل الانتقادات التي يتعرض لها من اليسار و من اليمين و التي تتهمه بدفع الجزيه للفصائل الفلسطينية مقابل الحصول على هدوء.
نتنياهو المجروح الآن ليس لديه القدرة على تحمل هذه الانتقادات مما يتطلب منه التعامل بصرامة مع إطلاق البالونات الحارقة أو إطلاق صواريخ.


التعليقات : 0