رفيق أحمد علي
نعم، قد يكرر التاريخ أو يعيد نفسه، كما نلحظ من مجرياته عبر الزمان.. لكنه لا يعيد نفسه صورةً طبق الأصل؛ بل بوجه يتناسب مع الواقع الجديد والأحوال المتغيرة.. فقد حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حوالي عام 1945م ، وضرب أمريكا لليابان بالقنبلة الذرّية، أن استسلمت اليابان وقبلت بشروط أمريكا عليها! فهل يعود التاريخ بعد مرور خمسة وسبعين عاماً؛ لتظهر أمريكا بصورة المنتصرة في حرب عالمية طويلة باردة، يعد عالمية قصيرة حامية؛ فتفرض سيطرتها على العالم، وتريد بقيادة رئيسها التاجر ترامب، أن تعامل دولة كإيران هذا الزمان، وكأنها يابان ذلك الزمان؟ يعرف التاجر أنّ الأمر يختلف؛ إذ ليست الحرب الباردة هي ذات الحرب الساخنة، ولا نتائجها نفس النتائج.. وليست إيران اليوم هي يابان الأمس، ولن تعطي بيديها إليه صاغرةً مستسلمة؛ لذا فإنه يركّز همّه بحصاره لها اقتصاديا واستعراض قواته العسكريةً، أن يجرها إلى طاولة المفاوضات التي ترفضها؛ لأنها تعلم أنه سيساومها على أهم مبادئها وبدهيات سياستها، ألا وهي نصرة وإمداد أحلافها الذين يحاربون من أجل حريتهم ووجودهم وحقوقهم السليبة، وبالأخص شعب فلسطين المشرّد، في وجه حكومة إسرائيل الغاصبة!
نعم، ليست أمريكا الحرب الاقتصادية هي أمريكا الحرب النووية,, ولا إيران هي اليابان؛ لمجموعة من الأسباب:
السبب الأول: أنه زمن الحرب العالمية الثانية لم يكن من يمتلك السلاح النووي سوى أمريكا، أما اليوم فعدد من الدول كبرى وغير كبرى تمتلك هذا السلاح، وما تطور إليه من أشكالٍ أكثر فتكاً.. مما يجعل استعمالها من قبل أية جهة، ورد فعل جهة أخرى، مبعث خطر على الجميع! فتصبح واقعياً في عداد المحرّم استعمالها على الجميع! وبذا لا تستطيع دولة كبرى أن تُخضع بها دولة أصغر.
السبب الثانيً: أنّ اليابان أواخر الحرب العالمية الثانية أصبحت تواجه شبه وحيدة مجموعة الحلفاء الذين انضمت إليهم أمريكا أخيراً، ؛ بعد أن تصدعت جبهة المحور بثقليها ألمانيا وإيطاليا وأقتربت من الهزيمة، وإن استطاعت هذه اليابان أن تدمر الأسطول الأمريكي في ميناء هارلبر! حتى جوزيت بالضربة النووية من أمريكا على مدينتي هيروشيما ونجازاكي، اللتين دمرتا بالكامل ومات أكثر سكانهما! فكانت الضربة القاضية التي أدت إلى استسلام االيابان.. بينما إيران اليوم في مواجهة الحرب الاقتصادية عليها – وهي الدولة القوية تقليدياً واقتصادياً- لها من الحلفاء والأنصار من لا يستهان بهم؛ لذا لن يكون استسلامها سهلاً، إن لم يكن مستحيلاً!
السبب الثالث: أنّ ضرب إيران بالأسلحة التقليدية- وعلى رأسها سلاح الطيران- لن يؤدي إلى سقوطها، فضلاً عن اقتحام أراضيها واحتلالها؛ لأنّ ذلك يحتاج إلى القوة البرية التي تكلّف المعتدي الكثير من الخسائر البشرية، ما لا يحتمله الشعب الأمريكي في حربٍ جديدة بعد الحروب القديمة التي خسر فيها آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى.. دعك من الرد الإيراني المتوقع على القواعد الأمريكية القريبة والدول الحليفة!
هذا ولن يكون فشل ترامب في إخضاع إيران بأعظم من فشله فيما يعدّ له من صفقة جديدة يسميها "صفقة القرن" والتي لن تكون صفقة رابحة له، بقدر ما تكون صفعة تأديبية تحدّ من جموحه وطموحه اللامنطقي واللاشرعي في المنطقة؛ إذ يعلن اعترافه بالقدس الشريف عاصمةً للدولة الغاصبة "إسرائيل" ثم لا يستحيي أن يضم إليها هضبة الجولان السورية المحتلة بعد حرب عام 1967 ! ولو جاز ذلك لحقّ لكل دولة تحاربت مع جارة لها أن تضم إليها ما اكتسبت أو أحاطت به من أرض بقوة المنعة والسلاح! ولشاع إذن قانون الغاب الحيواني في الأرض، وليس قانون العدل الإنساني! فكيف بصفقة يبدأ رائدها أول تشريعاتها بمثل هذا القانون المجحف الخارج عن الشرعية الدولية والعدالة الاجتماعية؟ ألا إنه السقوط والفشل من أولى خطواته.. أو كما يقال في المثل الشعبي:" من أول هجماتو انكسرت عصاتو" نعم لن يكون حصار ترامب لإيران إلا عليه حصارا.. ولن تكون صفقته إلا خسارا !


التعليقات : 0