راسم عبيدات
لا اعتقد بأن ما يجري في مدينة القدس بمعزل عن ضرب الحالة المعنوية للمقدسيين، وتفكيك وحدة نسيجهم الوطني والمجتمعي، للوصول بالحالة المعنوية والعقل المقدسي إلى حالة تقبل بها بشرعنة عمليات البيع والتسريب للعقارات والأراضي للجمعيات الإستيطانية والتلمودية .... ويترافق ذلك مع هجمة شاملة على كل مظاهر الوجود الوطني الفلسطيني في المدينة، بمنع أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية على المدينة، والقيام بعمليات تطهير عرقي كبيرة وواسعة كما يحدث في واد الحمص وواد ياصول وبطن الهوى وواد الربابة وكبانية أم هارون وكرم الجاعوني في الشيخ جراح وغيرها... كل هذه الحرب تحتاج إلى برنامج مواجهة شامل قائم على إستراتيجية واضحة تعتمد في تنفيذها على آليات وأدوات تنفيذية فاعلة ... تستثمر كل الطاقات والإمكانيات الموجودة بعيداً عن النظرات الحلقية الضيقة حزبية وعشائرية وغيرها .... فنحن أمام حرب شمولية على وجودنا في المدينة، وما نحتاجه من لملمة لكل الجهود المشتتة والمبعثرة من اجل القيام بخطوات المواجهة والتصدي للمشاريع المستهدفة إقتلاعنا وطردنا وتهجيرنا ... والتي وصلت حد قول رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو في تغريدة له بان أصولنا كفلسطينيين ترجع إلى جنوب أوروبا .... وأعتقد جازماً بأننا نحتاج إلى فعل وممارسة لحماية هذا الوجود ومنع الاقتلاع..
الكثير من الأخبار أحيانا وما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى من قبل وسائل الإعلام، يخدم إلى حد كبير الرواية الإسرائيلية، بحيث لا يجري التدقيق في الخبر المنشور والهدف منه، ولماذا جرى نشره أو صياغته بهذه الطريقة أو تلك.
الاحتلال لديه طواقم كبيرة جداً، تشارك في الترويج للفكرة أو الخبر الذي يجري نشره أو بثه، وبما يشعرك بأنك في حالة عجز أو هزيمة كاملة، وغالباً الخبر المنشور يحمل أهدافا خبيثة، فعلى سبيل المثال لا الحصر قبل فترة تداولت وسائل الإعلام وأجهزة المخابرات الصهيونية وحتى وزير الأمن الداخلي الصهيوني، خبر قيام مواطن فلسطيني من بلدة دير قديس برام الله باغتصاب طفلة صهيونية لم يتجاوز عمرها سبع سنوات، وهذا عمل بحد ذاته مقزز ويعبر عن وحشية وشهوانية حيوانية بوهيمية، وقد تجند الكل الصهيوني وسائل إعلام، شرطه، مخابرات، مواطنين، في بث ونشر رواية المخابرات الصهيونية، ووصف الفلسطينيين بأقذع الألفاظ والأوصاف، ولكن من خلال سير التحقيقات، إتضح بان القصة مختلقة ومفبركة من ألفها إلى يائها، وهذه ليست القصة الأولى ولا الأخيرة التي تفبركها المخابرات الصهيونية والجمعيات التلمودية والتوراتية، وفي إطار تسريب العقارات والممتلكات، في الفترة التي جرى فيها تسريب بيت أديب جودة في البلدة القديمة من القدس، انتشرت وسرت شائعات كثيرة، عن عشرات البيوت والعقارات المقدسية المسربة والمهددة بالاستيلاء عليها من قبل الجمعيات التلمودية والتوراتية، ومن ضمن ذلك كان الحديث والمنشورات والبوستات التي "اتخمت" بها صفحات التواصل الاجتماعي، عن تسريب عقار في رأس العامود للمواطن يوسف أبو صبيح، وبان المستوطنين، قد إقتحموه واستولوا عليه، ولكي نجد بان ذلك لا يمت للحقيقة بأي صلة، فالبيت جرى وقفه، ولم يجر بيعه أو تسريبه.
نحن لا ننكر كأي شعب يقع تحت الاحتلال، ولمدة طويلة، بأن هناك من يخون ويتساقط ، ويتجرد من قيمه الوطنية والأخلاقية والدينية، وهناك من يدخل في أزمات مالية ومجتمعية، نتيجة الإدمان على الرذيلة أو الآفات الاجتماعية من مخدرات ومسكرات وغيرها، وكذلك أحياناً تكون الخلافات الأسرية والعائلية على ميراث أو عقار، سبباً لخلق أزمة كبيرة، يصل الحد بها عند البعض كنكاية بأفراد أسرته أو عائلته، بالذهاب إلى أسوء الخيارات والغوص في مستنقع الخيانة، بالعمل على بيع عقاره أو بيته لجمعيات استيطانية وتلمودية.
ولكن أنا اجزم بأنه لو تعرض شعب آخر لما تعرض ويتعرض له شعبنا الفلسطيني، ربما تفكك وانهار بشكل كلي أو تبخر، كما هو حال الهنود الحمر، ولكن لا يفهم من كلامي هذا بأنه شكل من أشكال التبرير أو قبول ما يجري والتستر عليه، وتشجيع الآخرين على مثل هذا الفعل ، فلا مناص بعد عمليات التوعية والتثقيف والمتابعة والملاحقة والتحذير، من أن تكون هناك إجراءات وخطوات عملية، لكي تمنع وتردع الآخرين من السير على نفس هذا النهج والخيار، ولعل العقوبات الاجتماعية والدينية، بالمقاطعة في الأفراح والأتراح وأية مناسبة اجتماعية أخرى، وكذلك الحرمان من الدفن في المقابر والصلاة على المسرب والبائع في الجامع والمسجد، قد تكون شكلاً من أشكال الردع، ولكن لا بد من مساءلة ومحاسبة من نوع آخر تؤدي إلى الردع.
ما دام هناك احتلال موجود، فالصراع مستمر ومتواصل، في حالة من الاشتباك بأشكال وتجليات مختلفة، ولذلك في تركيز الاحتلال وجمعياته التلمودية والتوراتية للسيطرة على أكبر قدر من الأراضي والعقارات في مدينة القدس، فهناك هدف واضح يسعى له المحتل تهويد المدينة فوق الأرض بالاستيطان، وتحت الأرض بالأنفاق، وفي الفضاء عبر القطار الهوائي، ولذلك معركته للسيطرة على عقاراتنا وأراضينا بشتى الطرق والوسائل، جزء من الصراع على هوية المدينة، ولذلك يجب ان لا يغيب عن بالنا أبداً بان الاحتلال يستهدف ضرب حالتنا المعنوية في القدس، وتطويع وعينا وذاكرتنا للقبول وتشريع عملية التسريب والبيع لعقاراتنا وأراضينا للجمعيات التلمودية والتوراتية، وبما يحدث شرخاً كبيراً في جدار بيتنا وطنياً ومجتمعيا وكأن المحتل يريد أن يظهر أبناء شعبنا في المدينة، بأنهم سماسرة وتجاراً وبائعي أراضي، لكي يعبد مشروعه التطبيعي العلني مع النظام الرسمي العربي المنهار.


التعليقات : 0