محمد النوباني
لكي نكون فكرة واضحة عن أسباب أعمال الشغب التي يقوم بها منذ عدة أيام ما يطلق عليهم بيهود (الفلاشا) في "إسرائيل" على خلفية مقتل احدهم على يد رجل شرطة إسرائيلي لا بد من الإشارة إلى ان ما يجري هو انتفاضة ضد سلطة رأس المال (الاشكنازية) التي تستغلهم طبقيا وتجندهم أيضا في عمليات القمع والاضطهاد التي تمارسها ضد الشعب العربي الفلسطيني وهذه الانتفاضة سببها الأساس هو ان المجتمع الذي حلم كلاسيكيو الحركة الصهيونية ببنائه على أساس تجميع يهود العالم إقليميا في فلسطين وترحيل الشعب الفلسطيني عن وطنه (الترانسفير) على اعتباره واحدا من أهم شروط إنجاح إقامة دولة نقية تكون يهودية كما هي انجلترا انجليزية على حد تعبير أول رئيس وزراء في الكيان ديفيد بن غوريون، لم يتحقق .
وبسبب عجز الصهاينة عن تحقيق هذا الهدف المركب على مدار أكثر من سبعين عاما من عمر كيانهم حيث فضل معظم يهود العالم البقاء في أوطانهم الأصلية وعدم القدوم إلى فلسطين رغم كل الإغراءات والمحاولات التي بذلتها الحركة الصهيونية في هذا الاتجاه من جهة وتشبث الشعب الفلسطيني في وطنه من جهة أخرى فقد دخل المشروع الصهيوني في أزمة لا فكاك منها . بكلمات أخرى فان الفلسطينيين الذين طمح الصهاينة بترحيلهم عن وطنهم على غرار ما حدث عام ١٩٤٨ لم يبقوا منزرعين فيه فحسب بل تحولوا مع مرور الوقت من أقلية في إلى أكثرية يزيد عديدها عن عدد اليهود في فلسطين التاريخية .
أمام هذا الواقع وبهدف تعويض هذا الخلل الديمغرافي فقد لجأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لتعويض هذا النقص باستيراد مجموعات بشرية ( اثنيات ) من أصول مسيحية وهندوسية من روسيا وإثيوبيا والهند بدعوى أنهم من أصول يهودية ومن ضمنهم (فلاشا أثيوبيا). وفي ظل هذا الحراك الذي طرأ على التركيبة الديموغرافية الجديدة في إسرائيل فقد أصبح هنالك مواطن درجة أولى (اشكنازي)غربي ومواطن درجة ثانية شرقي من أصول عربية وكردية (سفاردي) ودرجة ثالثة من أصول اثيوبية (فلاشا) ودرجة رابعة فلسطينيي العام ١٩٤٨. وبسبب نظام الفصل العنصري هذا فان حل ظاهرة الاضطهاد التي يعاني منها ( الفلاشا) في الكيان الإسرائيلي من قبل الشرطة الإسرائيلية و من قبل أرباب العمل الإسرائيليين غير هو أمر غير متاح لان الايديولوجيا الصهيونية التي تحكم هذا المجتمع وتنظم الحياة فيه تقوم على أساس التمييز بين مكوناته لأسباب عنصرية وجهوية وقومية ولا يمكن لها إلا ان تكون كذلك.
وهنا وبصرف النظر عن حقيقة ان( الفلاشا) يعانون من تمييز عنصري فظيع ويشتغلون في العمل الأسود الذي يرفض اليهود الغربيون والشرقيون على حد سواء العمل به إلا أنهم يساهمون من خلال عملهم في الجيش والمؤسسة الأمنية في قمع واضطهاد الفلسطينيين وبالتالي فإنهم بالنسبة لنا غزاة ومحتلين. ومن يحتل أراضي شعب آخر ويمارس بحقه اضطهادا قوميا وطبقيا مزدوجا ويقسم سكانه إلى ثلاثة مستويات اليهود الغربيين (الشكناز) واليهود الشرقيين (السفارديم) والفلاشا وغيرهم من الذين تم وتهويدهم لاعتبارات ديمغرافية بسبب عزوف غالبية يهود العالم عن القدوم إلى فلسطين لا يمكن له إلا ان يمارس الظلم بحق بعض مكوناته ( لان الذي يضطهد ويحتل شعبا آخر لا يمكن له حسب تعبير الفيلسوف الألماني كارل ماركس ان يكون حرا). ولأن التاريخ يصوب نفسه فان تصاعد التطرف اليميني في إسرائيل والذي كان من تجلياته إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون (يهودية الدولة )العام الماضي الذي يجرد فلسطينيي العام ١٩٤٨ من حقهم في المواطنة وما أعقب ذلك من اعتراف ترامب بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها في إطار ما يسمى بصفقة القرن التصفوية وما واكب ذلك من سحب حل الدولتين من التداول يحتم ليس فقط سحب الاعتراف بإسرائيل وإلغاء أوسلو فقط وإنما العودة إلى طرح حل الدولة الواحدة أيضا
وقد أصاب كبد الحقيقة من أكد بان حل ما اصطلح على تسميته بالمسالة اليهودية في أوروبا لن يتأتى من خلال إقامة دولة يهودية تكرس ذهنية الجيتو لدى اليهود, وإنما بتمثلهم واندماجهم وذوابنهم في إطار الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وتحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال هو الكفيل بتحرير اليهود من الاضطهاد.


التعليقات : 0