خريف الفصول الأربعة... محمود مرداوي

خريف الفصول الأربعة... محمود مرداوي
أقلام وآراء

 

محمود مرداوي

كأن المقاومة حالة ثابتة مستقرة، تتلقى ولا تبادر، في خطوة غلب عليها الاستعراض والتخويف تدخل في الحرب النفسية قائد المنطقة الجنوبية ورئيس قسم العمليات في جيش الاحتلال أبلغ رئيس الأركان بأن الجيش استكمل خطة الفصول الأربعة التي تبناها رئيس الأركان، وأصبح الجيش مستعداً تحت السلاح لتنفيذها، والتي تقوم على إعداد عشرات الكتائب المقاتلة في كل التخصصات البرية والبحرية والجوية ، وتأهيل كل القيادات من قائد الفرقة حتى آخر ضابط في الكتائب المخصصة، تنتظر أمر التنفيذ لخوض معركة شعارها السحق دون الغرق في مستنقع غزة والتي تعتمد قتل أكبر عدد من مقاتلي المقاومة، وعدم الانتظار داخل غزة بعد الانتهاء من المهمة القتالية . هذه الخطة تهدف لمنع المستوى السياسي من ترديد الادعاء بعدم إمكانية سحق حماس دون المكوث أشهر طويلة داخل القطاع ، وأن هذه الخطة (الفصول الأربعة) تأخذ بعين الاعتبار خطة المقاومة الدفاعية التي تقوم على الإغراق في وحل غزة ثم التعامل من خلال العبوات والأنفاق والكمائن والدشم والمنازل للتصدي للقوة المحمولة والراجلة في محاولة لاستنزافها وإسقاط أكبر عدد من القتلى والأسرى فيها.

 

هذه الخطة لم تكن الأولى ولا الأخيرة، سبقتها خطط عديدة (تيفن، كيشت1، وكيشت2، جدعون) وغيرها التي هدفت لإعادة بناء الجيش وتصميمه لمواجهة لمستجدات والتحديات ، أخذت مساحة زمنية أكبر وبُذل عليها نفقات أضخم بكثير، وعند التنفيذ عجزت عن إعطاء أجوبة شافية للتحديات التي يواجهها الجيش من حيث المعدات لم تكن ملائمة والجندي مؤهل كما يجب فيما ينتظر في الميدان، لأن المؤسسة العسكرية وقيادتها تفترض أن خطط المقاومة واستراتيجياتها وتكتيكاتها في مواجهة العدوان ثابتة ولا تتغير . وفي ساعة الصفر وعند لحظة الحقيقة تقع المفاجأة وتُشكل اللجان. إن المقاومة الفلسطينية وهي تسمع في خطة الفصول الأربعة لا تجزم أن هذه خطة الجيش الذي ينوي تنفيذها في حال وقوع الحرب، فليس من الحكمة البوح بها، وأهم مستخلصات حرب 2014 وتوصياتها إحداث المفاجأة، وهذا يقتضي السرية والمباغتة ، والحديث عن الفصول وتفاصيلها يتنافى مع هذه التوصية . ثم سرعة تنفيذ المهمات مرتبطة في تحقيق الأهداف، فما هي إذن الأهداف التي ستحققها هذه الفصول ؟ حتى تحاكم بالنجاح والفشل بناءً عليها باستثناء الاندفاع السريع داخل القطاع وقتل عدد كبير من المقاومين ، لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا استُنفرتم فانفروا ، لكن المقاومة باعتقادي لمواجهة الفصول الأربعة تتمنى وقوعها، لانتظار القوات المندفعة واستقبالها كما يجب بالطريقة التي لم تخطر على بال قائد فرقة غزة ومسؤول العمليات في الجيش .

 

إن الحروب التي خاضها العدو في الماضي اعتمدت على الإنذار المبكر ومحاولة نقل القتال داخل القطاع ، والحسم السريع. هذا الإنذار لم يضعهم في صورة نوايا وتصورات وخطط المقاومة، ولم يمنحهم المعلومات الدقيقة عن أهداف حيوية ومواقع إستراتيجية تؤثر على مجرى الحرب والقدرة على استمرارها وضبط إيقاعها وإدارتها فلم تُنقل المعركة إلى أرض غزة ولم تُحسم سريعاً، فالعصف المأكول دامت 51 يوماً. كل الحروب استهدفت المقاتلين وحاول العدو الاندفاع، ولكن تم التصدي لهذه المحاولات والتأثير على مسارها ومنع تعمقها وتحقيق أهدافها، فما الذي يجعل قوات الفصول الأربعة تتميز عن القوات الخاصة في الألوية الخمسة المقاتلة؟.

 

 إن كي الوعي الذي أحدثته المقاومة الفلسطينية عميق أخاديد حُفرت في العقل الصهيوني الرسمي والشعبي في الواقع عملياً وعلى مدار المواجهات والمعارك الماضية ، فمن السذاجة أن يعتقد قادة العدو بالمقابلات الصحفية مع قيادات الجيش كي وعي المقاومة الفلسطينية وتخويفهم من خلال الحرب النفسية التي يشنونها. إن الشعب الفلسطيني والجمهور الصهيوني يصغي للمقاومة التي نفذت في الآونة الأخيرة كل ما وعدت به وصدقت في كل ما أعلنت عنه، فهي تتحدث عن مشاهد ستُجفف الدماء في عروق الصهاينة إذا ما تجرؤوا على خوض المعركة، وسيرون الأهوال ، والحروب في طبيعتها مشاهد صعبة ودماء لكن دماء الفلسطينيين الزكية ستنزف لا محال فداءً لفلسطين وفي حرب التحرير لاستعادتها، إن لم يكن اليوم دفاعاً فستكون غداً مبادرةً وهجوماً. بينما العدو الذي وعد شذاذ الآفاق واستجمعهم من كل مكان على أن أرض فلسطين أرض العسل واللبن سيدفع الثمن غالياً مضاعفاً دماء وأشلاء نتاج هذا التضليل والتحريف عندما اغتصب فلسطين واعتبرها وطناً لهم على حساب الفلسطينيين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق