د. يوسف يونس
الملخص -
ستواصل إسرائيل توجهاتها الإستراتيجية باتجاه الفصل بين جناحي الوطن الفلسطيني، ووفق تقديراتنا سيبادر نتنياهو إلى اتخاذ قرار بإعلان ضم المستوطنات إلى السيادة الإسرائيلية، بدعم من الإدارة الأمريكية، وسيتجنب اتخاذ قرار ضم الضفة الغربية بصورة كاملة أو ضم"المناطق ج"، بناءا على توصيات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
*المخططات الإسرائيلية في الضفة الغربية ستمس بالطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني ما سيعزز من ردود الفعل الأكثر عنفا ردا على محاولات إسرائيل طمس الهوية الفلسطينية، وستتزايد احتمالات انفجار الأوضاع في الضفة الغربية، بسبب سياسة الاحتلال وانسداد الأفق السياسي. ولعل اتساع دائرة العنف وعودة ظاهرة العمليات التي يقوم بها أفراد خارج أي سيطرة في الضفة، سيكون واحداً من التحديات المقلقة لإسرائيل، ويلغي أي إمكانية للسيطرة الاستخبارية.
- الادعاءات الإسرائيلية بدعم إقامة الدولة الفلسطينية في قطاع غزة، تحت سلطة حركة حماس ، تندرج في إطار "الخداع الاستراتيجي" للاستفادة من الانقسام الفلسطيني ، حيث أشارت دراسات إستراتيجية إسرائيلية إلى ان غزة بوضعها الحالي (جغرافيا وسكانيا واقتصاديا) غير مؤهلة لإقامة دولة قابلة للحياة ومشاكلها ستنفجر في وجه إسرائيل، ولذلك يجب إجراء تعديلات بتوسيع قطاع غزة باتجاه شمال سيناء، وهو الأمر الذي يلاقي معارضة مصرية وفلسطينية وعربية، تعتبر إسرائيل ان من الممكن تجاوزها عن طريق الدخول في حرب واسعة مدمرة يكون احد أهم نتائجها إجراء عملية إزاحة سكانية وتعديلات جغرافية، وهذا السيناريو يمكن التأكيد انه الأقرب للتنفيذ وفق التوجهات الإستراتيجية الإسرائيلية. إلا ان نتنياهو سيكون مضطرا حاليا، بفعل عوامل زمنية ولوجستية وميدانية، اعتماد "الخيار الاستخباري" المصحوب بـ "قوة نارية مكثفة" تستهدف البنية التحتية للفصائل الفلسطينية في قطاع غزة .
- التوجهات الأمريكية لا تشير إلى ان هناك توجه حقيقي للتوصل إلى تسوية في المنطقة وإنما التوجه إلى تفجير المنطقة وهو هدف يتلاءم مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى إقحام منطقة الشرق الأوسط والخليج في توترات ستنعكس سلبا على الأمن والسلم الدوليين ، خاصة ان الوضع الجيواستراتيجي للمنطقة يجعلها محور اهتمام أقطاب الصراعات الدولية، إضافة إلى مؤشرات نهاية مرحلة استقرار النظام الدولي وسيطرة الركود على الاقتصاد العالمي وتصاعد فرص واحتمالات المواجهة.
- وفي المشهد الإقليمي، الحديث المتزايد عن تحالفات إقليمية يجري إعادة صياغتها، تكون إسرائيل جزءا منها، جميع المؤشرات من داخل إسرائيل تؤكد أنها لازالت رافضة للاندماج وتصر على البقاء خلف "الجدار الحديدي". وستبادر إلى خطوات دراماتيكية سواء في الضفة أو في قطاع غزة دون النظر إلى التحالفات الإقليمية التي يجري الحديث عنها.
- إستراتيجية الحكومة الإسرائيلية ، مدعومة من إدارة ترامب، تؤكد أنها أسقطت "حل الدولتين"، وهو الأمر يطرح تساؤلات حول مستقبل السلطة الفلسطينية، والتي تتمحور حول الاحتمالات التالية :
1.الاحتمال الأول: بقاء السلطة كما هي، مع إجراء بعض التعديلات لجهة إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة بعض الصلاحيات إلى المنظمة باعتبارها مصدر السلطة وأساس وجودها، مما يفتح المجال أمام إعادة صياغة طبيعة الصراع مع الجانب الإسرائيلي إلى أبعاده الدولية والعربية والإقليمية.
2.الاحتمال الثاني: حل السلطة ردًّا على تنصل إسرائيل من كل التزاماتها وسيرها نحو الضم لأجزاء من الضفة الغربية، أو انهيارها احتجاجًا على فقدان مبرر وجودها، والمستمد من كونها “مرحلة انتقالية” على طريق إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وهذه الخطوة يمكن اعتبارها انتحارا سياسيا فلسطينيا تدفع إسرائيل باتجاهه ، خاصة لجهة انه يتناسب مع المخططات الإسرائيلية التي تسعى إلى فرض سيناريو الضم على أجزاء واسعة من الضفة الغربية وإبقاء المناطق الأخرى ذات الكثافة السكانية الفلسطينية الكبيرة تحت سيادة سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، وهو ما ينهي كل المنجزات التي تم تحقيقها على مدار السنوات الماضية ويفسح المجال لسيادة الإدارة المدنية المتحفزة للسيطرة في الضفة الغربية.
3.الاحتمال الثالث: قيام منظمة التحرير بإعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها وموازنتها وعلاقتها بالمنظمة، لكي تكون فعلًا أداة في يد منظمة التحرير، التي هي الأخرى بحاجة إلى إعادة بناء مؤسساتها لتضم مختلف ألوان الطيف السياسي، وتكون البديل في حال انهارت السلطة.
- المخططات الإسرائيلية والأمريكية لا تعني "حتمية التطبيق"، ورغم مظاهر الضعف الفلسطيني، في ظل معادلة دولية وإقليمية غير متوازنة، إلا ان الفلسطينيين يمتلكون أوراق قوة بإمكانهم استغلالها لخدمة مصالحهم الإستراتيجية، وعلى رأس هذه الأوراق الكيان السياسي القائم "السلطة الوطنية الفلسطينية"، والتي تشكل عنوانا دوليا للشعب الفلسطيني، والذي نعتقد بأهمية بقاءه واستمراره، بالرغم من الدعوات والنصائح بـ"حل السلطة"، وهو الأمر الذي سيشكل خطوة على طريق تمرير المخططات الإسرائيلية لتمرير مشروع الحكم الذاتي، على ما تبقى من الضفة الغربية.
- الجانب الفلسطيني مطالب بالمبادرة إلى خطوات إبداعية لمواجهة المخططات الإسرائيلية. فالدوائر الاستخبارية والإستراتيجية الإسرائيلية أطلقت تحذيرات من خطورة مخططات الحكومة اليمينية الإسرائيلية ، ومحور تلك التحذيرات هو "التخوفات الأمنية" وانعكاساتها المحتملة على إسرائيل. ويمثل ذلك إشارة إلى الهامش الذي من الممكن ان يبادر إليه الجانب الفلسطيني. فالمفاضلة بين مفهوم "الاحتلال المكلف" و "الاحتلال الغير مكلف" تؤرق تلك الدوائر الإسرائيلية التي تتعامل بصورة مختلفة عن الحكومة الإسرائيلية. ولا تعني الإشارة إلى "التكلفة" هنا ان الأمر يعني التوجه إلى العمل العسكري ، فهناك الكثير من الجوانب التي من الممكن ان تجعل الاحتلال الإسرائيلي أكثر تكلفة.


التعليقات : 0