رأي الاستقلال العدد (1072)
في مدن فلسطينية لا سيادة للسلطة عليها إلا شكليا, استشهد خلال الأيام القليلة الماضية خمسة شهداء فلسطينيين, وأصيب عدد أخر بجراح متفاوتة, وأخرهم الشهيدان أوس سلامة, وسعد صلاح اللذان استشهدا أثناء تصديهما لعملية اقتحام نفذها الجيش الصهيوني بمخيم جنين شمال الضفة الغربية, وكانت تستهدف اغتيال مجاهدين فلسطينيين, إنها عمليات اقتحام ينفذها الجيش الصهيوني بين الفينة والأخرى بالتنسيق مع أجهزة امن السلطة «العتيدة», وهذه هي الثمرة المعتادة التي يجنيها الفلسطينيون دائما من وراء التنسيق الأمني الذي يمر بأفضل حالاته بين السلطة والاحتلال.
تزامنت عملية الجيش الصهيوني التي أسفرت عن خمسة شهداء وجرحى, مع احتفال الفلسطينيين بنتائج الثانوية العامة, والتي تشهد خلالها المدن الفلسطينية احتفالات عديدة, يشارك فيها الشعب الفلسطيني كله وتعتبر يوم عيد للطلبة وذويهم, فجاء الاحتلال كعادته دائما لينغص على الفلسطينيين احتفالاتهم, ويقتل ويصيب ويعتقل ويقتحم المدن والمخيمات, فلا يروق لهذا الاحتلال النازي ان يشاهد الفلسطينيين في حالة فرح أو احتفال, ويغيظه تماما هكذا مشهد, ولا يمكن ان يتقبل ان يمر دون ان يحوله إلى يوم ممزوج بالدماء والأشلاء يتساقط فيه الضحايا الأبرياء, ويدفع الفلسطينيون ثمن فرحهم واحتفالاتهم.
الغريب ان هؤلاء الشهداء أصبحوا مجرد أرقام وإحصاءات لدى السلطة الفلسطينية, فاستشهادهم لا يستفز السلطة حتى لمجرد الشجب والاستنكار, بينما تنظر المنظمات الإنسانية التي تعنى بحقوق الإنسان إلى هذه الجرائم على أنها طبيعية ولا ترتقي لملاحقة قادة الاحتلال ومحاسبتهم على هذه الجرائم, لقد هانت دماؤنا لدى سلطة رام الله, وأصبحت ارخص من الماء المسكوب بالمجان, وبالتالي هانت هذه الدماء الطاهرة عند الجميع بما فيها المؤسسات الحقوقية والإنسانية, التي تحولت مهامها إلى مجرد إحصاءات لا أكثر ولا اقل.
جنين التي قدمت بالأمس شهداء وجرحى, والتي عودتنا دائما على العطاء, قدمت أيضا أوائل الطلبة في امتحانات الثانوية العامة, لتدلل على أنها رمز للعطاء والتضحيات والعلم والمعرفة والتفوق, وهذه رسالة تقدمها المدينة الباسلة بمخيماتها وبلداتها للعالم كله, أننا شعب يحب الحياة ويقبل عليها وينتمي للأرض الطيبة «المسلوبة», لكنه في نفس الوقت يبحث عن الحياة الكريمة التي تحفظ للإنسان كرامته واستقلاليته وحريته, جنين ارض البطولات والتضحيات, تسمو بأبنائها وشهدائها, وتعلو فوق جراحها لتحتفل بأبنائها المتفوقين, وتزف مواكب جديدة من الشهداء الأطهار, هكذا عودتنا المدينة الباسلة, وهذا ما عودنا عليه أبناؤها الأبرار.
إنها رسالة تبعث بها جنين للزعماء الأموات, الذين استمرؤوا الهزيمة, ولم يتذوقوا يوما طعما للانتصار, ان المحن تدفعنا دائما إلى الإصرار على التفوق والنجاح, وأننا ننبعث من بين الركام لنرسم حلما ليوم جديد أكثر إشراقا, وان الاستسلام ليس في قاموسنا, ولا نعرف له سبيل, أيها الزعماء إسرائيل خرافه يرددونها على مسامعكم لكي تناموا خائفين مستسلمين كالأطفال الصغار, لكننا اليوم نكشف اللثام مرة أخرى عن تلك الوجوه الزائفة الخائفة المرتعبة, لنقول لهم ارتدوا ثوب الشجاعة يوما, سترون «إسرائيل» على حقيقتها, عند ذلك لن تلهثوا وراءها, وستعلمون أنها اوهن من بيت العنكبوت.


التعليقات : 0