هل اكتفى حزب الله بالرد؟... د. محمد مشتهى

هل اكتفى حزب الله بالرد؟... د. محمد مشتهى
أقلام وآراء

د. محمد مشتهى

كنت أتحدّث مع صديق قُبيل رد حزب الله، وكان من ضمن الحديث أن جيش الاحتلال يستطيع الحد من رد المقاومة اللبنانية وربما تفاديه ببضع من الخطط الهجومية التي تحتاج إلى جرأة وشجاعة وإقدام، لكن يبدو أن جُبن العدو من تنفيذ تلك الخطط جعله يلجأ إلى الحيل والتمثيل بحيث أظهَرَ جنوده أنهم أموات أمام عيون جنود حزب الله أملا منهم أن يكفّوا عن ضربه وأذيته.

 

هذه الحيل المذلة والمهينة التي لجأ اليها من يقول عن نفسه بأنه أقوى جيش في المنطقة بإظهار جنوده كأموات كي يتجنّبوا مزيدا من الضربات، لا تشير إلى أنه جيش لا يقهر، فما هكذا تتصرف الجيوش الشجاعة!
ولم يقف عند ذلك فحسب، بل تعدى الأمر باستغلال رحمة وإنسانية وأخلاق المقاتلين في حزب الله عندما صرّح العدو الصهيوني أثناء المعركة بأن حزب الله يسمح بإخلاء المصابين أيضا أملا منهم بأن يتوقفوا عن الضرب من أجل هدف إنساني وهو إخلاء الجرحى.. إذن نحن أمام خدعتين وليس واحدة:

 

الأولى: التمثيل بأن هناك جنود أموات.

الثانية: التمثيل بأن الاحتلال يريد إخلاء المصابين.

 

وأمام هذا الخداع الصهيوني واستجداء شفقة جنود حزب الله، فإن صورة الجيش الذي لا يقهر تتضح جلية بما لا يدع مجالا للشك بأن هذا الجيش ليس أهون من بيت العنكبوت فحسب، بل هو جيش ذليل يستجدي حياته من جنود المقاومة.

 

المقاومة اللبنانية لم تعلّق على الرواية الصهيونية بعد، لكن من متابعة الأحداث يمكن أن نستقرئ فرضيات ما سيحدث في المستقبل إذا ما صحّت الرواية الصهيونية.

 

ومما سبق يمكن القول إننا أمام فرضيتين: إحداهما قبول حزب الله بالرد على أساس أنه شكّل هزيمة معنوية جليّة سواء قبل الرد وحالة الهروب الكامل لجنود العدو على طول الحدود اللبنانية خوفا من رد المقاومة، ثم بعد الرد وما تبعه من تمثيليات مهينة ومذلة لجنود العدو، وبناء على هذه الفرضية فإن حزب الله من الممكن أن يكتفي بما جرى حيث سيتفرغ إلى تطبيق معادلة الاشتباك الجوية الجديدة لإسقاط طائرات الاستطلاع الصهيونية فوق الأجواء اللبنانية.

 

والفرضية الثانية وهي عدم اكتفاء حزب الله بالرد وعدم قبوله لما جرى من تمثيل، وأن ملامح هذه الفرضية بدأت بالظهور بعد تصريح العدو وإعلانه بأنه نصب كمينا مضادا لكمين حزب الله، تلك الملامح أول ما ظهرت من خلال قناة الميادين التي لا يمكن فصل سياستها عن سياسة المقاومة اللبنانية، فقد غيّرت مسار أخبارها بعد تصريح العدو مباشرة، حيث كانت الميادين ومنذ اللحظات الأولى لعملية الرد تصور ما حدث بأنه ضربة قوية تلقاها العدو وعلى إثرها ساقت العديد من التقارير والتحليلات العسكرية لتوجز الأمر بأنه اختراق أمني عسكري مهم يُسجّل للمقاومة، ويمكن القول بأنه لو بقي الأمر على هذا النسق ربما لاكتفى الحزب بذلك الرد، لكن بعد تصريح العدو الصهيوني دارت الدفة الإعلامية في قناة الميادين نحو إمكانية أن هناك رد آخر للحزب، وأن هذا الرد ربما يكون رد أولي على استشهاد اثنين من جنود حزب الله بسوريا، وأن الرد على تفجير الضاحية لم يأت بعد...

 

هذا الدوران الإعلامي الدراماتيكي لم يأتي محض صدفة بل هو إدارة لميدان الحدث لحظة بلحظة.

 

على كل حال، سواء أعاد حزب الله الرد من جديد أو اكتفى بهذا الرد الميداني، فإن ما حدث خلال الأسبوع الماضي هو إعادة إحياء حقيقي لسخونة الجبهة الشمالية، وأن زمن الهدوء على هذه الجبهة قد ولّى، والذي أنهى هذا الهدوء ليس العدو الصهيوني باعتدائه على الضاحية ولكن حزب الله الذي أرسى معادلة اشتباك جديدة باستثماره لحادثة تفجير الضاحية وأن أبرز ملامح تلك المعادلة الجديدة أنها مستمرة باستمرار خروقات العدو الصهيوني، حيث من المؤكد أن العدو الصهيوني لا يستطيع التعايش مع الإقليم دون خروقات وتجسس وتدخل بأمور دول المنطقة.

 

وفي المقابل فإن حزب الله الذي ألزم نفسه بتلك المعادلة الجديدة، فقد قرر التصدي لكل خرق يرتكبه العدو الصهيوني من خلال طائراته الاستكشافية، وبالتالي يمكن القول بأن الحدود اللبنانية ستشهد ردودا شبه يومية أو أسبوعية كما قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير: نحن أمام مواجهة يومية مع طائرات الاستطلاع الصهيونية، فقد نتمكّن من إسقاط واحدة في الشهر أو في الأسبوع أو كل ساعة.

 

إذن نحن أمام جيش صهيوني ذليل ومُهان يستجدي الحياة، وفي المقابل فنحن أمام جبهة شمالية دائمة الاشتعال، فما بعد تفجير الضاحية ليس كما قبله، وزمن الهدوء على الحدود قد انتهى.

التعليقات : 0

إضافة تعليق