احمد عبد الرحمن
يبدو ان المغامرة التي أقدم عليها " بنيامين نتنياهو " رئيس الوزراء الإسرائيلي وبدعم وتحريض أمريكي لم تُؤتِ أُكُلَها كما كان يتمنى !! فهو حين أصدر أوامره مدفوعا بجرعة زائدة من الغرور والعنجهية بضرب أكثر من هدف يتبع لمحور المقاومة في العراق وسوريا ولبنان في خرق واضح لقواعد الاشتباك التي كان معمولا بها منذ وقت طويل خصوصا على الساحة اللبنانية لم يكن يتوقع أي ردة فعل تُذكر.
فمنذ انتهاء عدوان تموز 2006 على لبنان ووقف إطلاق النار وفق قرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي لم يقم الاحتلال بأي عملية علنية على هذه الجبهة المهمة والحساسة !! ربما قام بعمليات سرية لم يعلن عنها خصوصا تلك العمليات التي تم فيها اغتيال بعض قادة المقاومة الإسلامية ومحاولات لاغتيال كوادر من المقاومة الفلسطينية ولكن كل ذلك كان بدون إعلان رسمي . ولكن في عملية إرسال المسيرتين المفخختين على الضاحية الجنوبية قبل أسبوعين تقريبا كان الموقف الإسرائيلي واضحا وجليا ، وعبر عنه أكثر من مسئول صهيوني من بينهم نتنياهو شخصيا ،حين أعلنوا أنهم قد استهدفوا معامل وإمكانيات حساسة تساهم في صناعة الصواريخ الدقيقة !!
هذه العملية وما سبقها بساعات من استهداف لأحد مواقع حزب الله في سوريا وما نتج عنه من استشهاد عنصرين للحزب هناك أشعلت الضوء الأحمر في غرفة عمليات محور المقاومة لاسيما بفرعه اللبناني إذا جاز التعبير !! فهذا الخرق حسب رأي قادة المقاومة يؤشر لموجة من الخروقات وعلى نطاق أوسع ،وإن لم يُرد عليه بالطريقة المناسبة التي توازيه وربما تفوقه من حيث الخسائر في طرف العدو فسيتكرر وتزداد وتيرته . وبناء عليه تم اتخاذ قرار بالرد الحاسم على ما جرى، وهذا ما كان واضحا في الخطاب الهام للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الأسبوع الماضي!! والذي توعد فيه برد قاس على العدوان !! وأظهرت لغة الجسد لديه حسب الخبراء بأن قرار الرد لا رجعة عنه !!
ولذلك وانطلاقا من الصدقية العالية التي يتمتع بها السيد نصر الله لدى العدو الصهيوني وقناعتهم بأنه ينفذ ما يقول ،بدأت إسرائيل مدفوعة بحالة من الخوف والرعب والإرباك في التحرك دبلوماسيا لوقف هذا الرد أو على أقل تقدير الحد من حجمه وتأثيره !! وقامت بالتواصل مع عديد الدول لاسيما فرنسا والولايات المتحدة، وأرسلت من خلالهما رسائل تحمل في طياتها شبه اعتذار عما جرى وتعهد بعدم تكراره مرة أخرى خصوصا على الساحة اللبنانية، إلا ان ذلك لم يجدِ نفعا، وكان الرد الذي سمعه الوسطاء واضحا ولا يقبل التأويل بأن قرار الرد لن يتم التراجع عنه !! حينها انتقلت إسرائيل لمرحلة أخرى سعت من خلالها لوقف الرد المرتقب، وكانت هذا المرة من خلال الابتزاز للدولة اللبنانية وفرض عقوبات اقتصادية قد تزيد من الأزمة التي يعاني منها لبنان على هذا الصعيد .
حيث قامت ومن خلال حليفها الأمريكي بفرض عقوبات على بنك " جمّال بنك ترست " بحجة انه يسهل وصول الأموال إلى حزب الله، وهددت بفرض عقوبات على بنوك أخرى مع إرسال رسالة مبطنة بان إيقاف تلك العقوبات مرهون بعدم رد المقاومة الإسلامية على الغارات الإسرائيلية !! ولكن مرة أخرى تم رفض هذا العرض وهذا الابتزاز وكان الإجماع واضحا بين جميع الفرقاء اللبنانيين على ضرورة معاقبة العدو على عدوانه، وهذا كان واضحا من تصدي الجيش اللبناني لمسيرات إسرائيلية حاولت التحليق فوق احد مواقعه الحدودية . حينها أدرك العدو ان كل محاولاته الدبلوماسية والضغط الاقتصادي لن تؤدي إلى تراجع في موقف المقاومة، ولم ينجح كذلك في بث الخلاف والفرقة بين اللبنانيين على اختلاف توجهاتهم السياسية .
فبدأ باتخاذ الخيار الأخير من خلال الاستعداد العسكري وحشد القوات والتهويل والتهديد بتدمير لبنان وإرجاعه للعهد الحجري إن أقدمت المقاومة على تنفيذ عملية كبيرة ونتج عنها قتلى في صفوف قواته .
وربما اعتقد العدو حينها ان هذا الاستعراض العسكري ومشاهد نقل الدبابات والمدفعية وإلغاء الإجازات ووضع سلاح الجو في حالة استنفار قصوى قد يكون فعالا وينجح فيما فشلت فيه الأساليب السابقة، إلا أن الأمين العام لحزب الله وفي ظهوره الثاني خلال أسبوع على خلاف العادة قد بدد كل هذه الأحلام وعصف بكل تلك الآمال !! فالسيد نصر الله أكد خلال هذه الكلمة على أن قرار الرد على العدوان لا رجعة عنه ، وان الأمر بين أيدي القادة الميدانيين ، وكان هذا الكلام يؤشر بوضوح على ان الرد مسألة وقت ليس أكثر ، وان الساعات القادمة ستكون حاسمة. ولم تمض سوى ساعات على هذا التهديد للسيد نصر الله حتى جاء الرد وفي وضح النهار وفي عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة وليس على الحدود كما كان يتوقع الصهاينة.
هذا الرد الذي يحمل دلالات كثيرة وشواهد مهمة على انهيار قدرة الردع الإسرائيلية، وعلى فقدان جيش الاحتلال للعنصر الأساسي الذي يجب توافره في أي جيش لتحقيق النصر ألا وهي العقيدة القتالية !! فهذا الجيش الذي هرب جنوده واختبئوا بين بيوت المستوطنين وتركوا آلياتهم تقصف وتدمر ليس مؤهلا لخوض الحروب والانتصار فيها رغم ما يملكه من ترسانة عسكرية حديثة وفريدة من نوعها .
رد المقاومة اليوم أثبت من جديد أن هذا العدو قابل للهزيمة والانكسار ، وأنه أوهن من بيت العنكبوت خصوصا عندما يواجه مقاومة عقائدية تؤمن بحقها في القتال وتعرف اختيار زمان ومكان المعركة التي تخوضها . العدو سيضطر لابتلاع هذه الضربة الموجعة لأنه غير مستعد لتلقى هزيمة جديدة وهو على أبواب انتخابات " الكنيست " ، ونتنياهو يعرف جيدا انه سيكون أول المتضررين في حال اندلعت مواجهة كبيرة ، لذلك نحن نعتقد أن الطرفان سيقتنعان بما حصل ولن تتصاعد الأمور إلى مواجهة مفتوحة إلا إن أخطأ العدو في حساباته وارتكب حماقة جديدة كما جرت العادة .


التعليقات : 0