النيّة الفاسدة تجلب الكوارث والخراب... الشيخ نافذ عزام

النيّة الفاسدة تجلب الكوارث والخراب... الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ نافذ عزام

يمر المشهد السياسي الفلسطيني بكافة مكوناته بواحدة من اعقد المراحل التاريخية المعاصرة التي خاضتها الحركة الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي بات يقتضي اجتراح محاولة للفهم، ولا ادعي هنا انه بالإمكان وضع القارئ في كل حيثيات المشهد وإحداثياته وتلابيبه، ولكنها محاولة للفهم ولو بالحد الأدنى، وقبل الذهاب بعيدا فإنني سأبدأ بالخلاصة قبل أن يمل القارئ ويغادر ، إن خلاصة ما يحدث الآن فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا وكل هذه المصطلحات الكبيرة بحيثياتها ومسمياتها تستهدف القضية الفلسطينية بأدوات جديدة وما كان ممكنا ومتاحا إبان أوسلو لم يعد ممكنا الآن وبالتالي اقتضى التغيير والتنويع والترويع إذا اقتضى الأمر فلكل طرف دوره ومهامه التي يقوم بها.

 

نعم القضية الفلسطينية هي ما يعيق التطبيع الكامل والشامل بين الدول العربية والكيان الصهيوني وهاته بدأت منذ عقد ونصف في قمة بيروت العربية، ولم تحل انتفاضة الأقصى وحصار عرفات دون تأجيلها ولو لبعد حين، ومؤخرا لم تعد كل مكونات القضية الفلسطينية مقلقة بعدما تم ترويض بعض هذه المكونات منذ ربع قرن ويزيد، المقلق الآن غزة ومقاومتها وهما الآن رأس الحربة وهما من يعيق الولوج لصفقة القرن من اجل أن يصبح الكيان الصهيوني جزءاً من حلف مرتقب وجزءاً من المنطقة، وهذا لا يمكن قبل ترويض غزة وتطويعها. غزة التي مر على حصارها عشر سنين متواصلة، لماذا يستدار لها الآن ويلتفت إليها العرب؟. الفهم مطلوب والتقارب ضرورة لكنها لمحاولة لفهم الأهداف والأسباب والمقتضيات والتبعات والسيناريوهات أيضا.

 

قبل يومين كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القاهرة التي استضافته من أجل أن تقول لحماس ولغزة أننا يمكن أن نستدير للرئاسة الفلسطينية، ولتقول للرئاسة الفلسطينية انه يمكن المضي بعيدا في تفاهمنا مع حركة حماس، وغزة بين فكي الكماشة لا تريد أكثر من حياة كريمة.

 

غزة بوابة الإقليم وبوابة البحث عن دور لأي دولة عربية، وغزة بيدها صفقة أسرى يريد الكل الاقتراب منها وان يكون وسيطا فيها وبالتالي لا يمكن إسقاطها من المعادلة، غزة الآن هي المدخل الوحيد لإحداث أي تحولات أو تغيرات على مستوى الرئاسة الفلسطينية، إذا أريد الإعلان عن تطبيع أو اقتراب علني من الكيان الصهيوني فإن غزة هي الوحيدة القادرة على كشف ذلك وفضحه، وإحراج المهرولين صوب الكيان الصهيوني، وبالتالي كان لابد من الاقتراب منها، غزة التي كانت بالأمس إرهابية في خطاب الرئيس الأمريكي باتت اليوم حملة وديعة يتربص بها الذئب.

 

إن التربص بغزة لم يعد خافيا واليقظة وحدها لا تكفي مع الحاصل، والاستجابة مقتضياتها كبيرة جدا ليس اقلها التطويع لتمرير التطبيع ، والجمود والعناد سيفضي إلى بقاء الحصار والإغلاق كما هو، وبالتالي نحن أمام مجموعة خيارات وتحديات أحلاها مر لكن إذا ما تم تبادل للأدوار يمكن المرور بسلام من حقل الألغام، والمرور يقتضي أن كل مكون من مكونات القضية الفلسطينية أن يقوم بدوره، وان تحرص كل هذه الأطراف الفلسطينية على بقاء المقاومة ومقوماتها.والمرور من حالة الشد الجذب الإقليمية الحاصلة دون ان نكون طرفا فيها.

 

إن التفات الدول العربية لحماس ولقطاع غزة، ليس تحولا أو التفاتاً ذا أبعاد إنسانية أو وطنية وقومية بقدر ما هو استدارة من أجل ترويض القطاع ومقاومته من أجل تمرير صفقة القرن التي تقتضي القبول بإسرائيل والتطبيع معها والتحالف معها بذريعة مواجهة البعبع الإيراني. بل ويمتد الأمر لتنفيذ مشاريع اقتصادية سعودية إسرائيلية مشتركة أيضا وهذا يقتضي تنفيذ المرور لغزة وترويض حماس وقطع الطريق أمام قطر في غزة .

 

إن ما  يحدث في أروقة الإقليم يستهدف ترويض المقاومة الفلسطينية شئنا أم أبينا والمقاومة مفاعلة وليست بندقية فقط، وان ثمن أية انفراجة هو ترويض مشروع المقاومة بالكامل، حتى ولو لم تكن بعض أطراف المقاومة طرفا فيما يحدث، ويجب التنبيه من تبعات الاستفراد الحاصل إقليميا بكل طرف فلسطيني على حدة، والذي بموجبه بدا وكأن المشهد الفلسطيني لا  يوجد به إلا سين أو عين  وخطورة ذلك انه قد يكون مقدمة لاستبعاد باقي الأطراف الفلسطينية من أية حلول أو اتفاقات، وبالتالي ربما يتكرر سيناريو أوسلو بمكونات وحيثيات جديدة. أو ربما يتدرج الانقسام .

 

نحن أمام عملية تدليس كبيرة جدا ظاهرها تسهيل وانفراج أوضاع الناس لكن باطنها هو ترويض الناس وربط تحسن أوضاعهم وظروف معيشتهم بقبولهم بالممكن والمتاح عن البحث عن مقتضياته وتبعاته. هناك عملية إنتاج ضخمة جدا لبالونات الاختبار المربكة لكنها تستهدف ترويض الرأي العام الفلسطيني.

لن تتوقف إحداثيات المشهد عند تسيير أمور قطاع غزة فقط ، أو فتح معبر وتقديم تسهيلات تجارية واقتصادية، ما يحدث هو جزء من مشروع سياسي كبير تدرك المكونات الفلسطينية تبعاته لكنها تريد المرور للإقليم تماما كما كان يريد الراحل الرئيس ياسر عرفات.

 

إن المُستهدف ليس طرفا فلسطينيا واحدا، بل المشروع الوطني الفلسطيني بكل مكوناته، وملامح الأمر ستفضي لتلاشي السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير تاليا وإعادة بناء حركة وطنية فلسطينية بمواصفات يصنعها الإقليم وفق محدداته ومصالحه وأهدافه، حركة وطنية ليست في عقيدتها المقاومة والتحرير الكامل لفلسطين. حركة وطنية فلسطينية تقبل بالمتاح أيا كان.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق