بقلم /أحمد عبد الرحمن
يبدو ان فصل الخريف لهذا العام لن يكون كما يتوقع خبراء الأرصاد الجوية باردا وممطرا كما بشروا قبل أيام !! وتشير أولى ساعاته إلى انه سيكون خريفا حارا وساخنا ، ويحمل بين ثناياه الكثير من المفاجآت والأحداث التي يمكن ان تغير وجه المنطقة إن لم يكن وجه العالم . فزمن الدبلوماسية الناعمة والصبر الاستراتيجي الذي ساد خلال الشهور الأخيرة بين العدوين اللدودين أمريكا وإيران يبدو انه قد ولى !! وأنه أُستُعِيضَ عنه بالرسائل الخشنة التي تجعل من المنطقة برميل بارود ينتظر عود ثقاب ليشتعل ويشعل معه الكثير من الجبهات، ويمكن ان يمتد تأثيره الاقتصادي ليشمل كل أرجاء المعمورة .
ما حدث من هجوم يمني كبير بالطيران المسير على شركة أرامكو السعودية وهي عصب الاقتصاد السعودي وشريانه الأساس شكل سابقة خطيرة في الحرب السرية التي تجري في المنطقة، وتكاد تلقي بظلال قاتمة على الأحداث وتدفع بها إلى الحافة النهائية للهاوية. فهذا الاستهداف النوعي وإن كان من خلال أنصار الله اليمنية وهو دفاع مشروع عن النفس في وجه العدوان الأمريكي السعودي على كل مناحي الحياة في اليمن، إلا انه لا يخرج عن كونه جزءاً من مواجهة اكبر وأعمق وأكثر حدة بين القوتين الرئيسيتين حاليا في المنطقة وهما أمريكا وإيران . فبعد الهدوء الخادع الذي لف المشهد خلال الأسابيع الأخيرة بعد توالي التصريحات الأمريكية عن لقاء محتمل بين روحاني وترامب وما تركه ذلك من تفاؤل وارتياح من ابتعاد شبح التصعيد العسكري، جاءت هجمات أرامكو لتشكل صفعة مدوية لتلك التوقعات والآمال، ولتعصف بذلك التفاؤل وتجعله كالهشيم الذي تذروه الرياح . ما حدث للمؤسسة النفطية الأكبر على مستوى العالم وبهذه العملية المحكمة التخطيط والتنفيذ، فتح عيون الجميع من جديد على ان هناك ناراً تستعر تحت الرماد ، وان أي اشتعال لهذه المنطقة الحيوية والحساسة سيدخل العالم في أتون أزمة اقتصادية لا يحمد عقباها ولن يسلم منها أحد .
اليوم وعند افتتاح الأسواق العالمية ظهرت أولى نتائج تلك العملية النوعية ، وكان التأثير المباشر والأولى ارتفاع أسعار النفط حوالي 18% في الأسواق العالمية، وسبقه بالأمس انخفاض في البورصة السعودية بحوالي 3% ، كل ذلك حدث ولم تتضح بعد النتائج النهائية لعملية تقييم الأضرار، والتي يمكن ان تكون كبيرة وتحتاج أسابيع لإصلاحها وهو ما سيزيد من الضغط على الأسواق العالمية . إذاً نجحت العملية الهجومية في ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد ، فمجموعة من المسيرات التي لا يتجاوز ثمنها مجتمعة أكثر من بضعة آلاف من الدولارات سببت خسائر تقدر بـ 350 مليون دولار يوميا للسعودية ، وكذلك هزت هيبة هذه الدولة التي كان البعض يعتقد أنها قوية ومتماسكة فإذا بها تتهاوى معنويا على أقل تقدير في غضون ساعات فصلت بين إقلاع الطائرات وإصابتها لهدفها بدقة عالية . وليس ذلك فحسب بل تعتبر هذه العملية إهانة قوية للحليف الأمريكي، الذي يتفاخر بأنه يملك درة الأسلحة المضادة للطائرات والصواريخ مثل بطاريات « الباتريوت « وهي منتشرة بكثافة فوق الأراضي السعودية ، ويتلقى الأمريكيون بسببها ملايين الدولارات من الجيب السعودي الممتلئ بأموال النفط ، فإذا بها تقف عاجزة أمام طائرات صغيرة يرسلها مقاتلون بسطاء لا يكادون يجدون ما يسد رمقهم منذ أربع سنوات ونيّف جراء الحصار الظالم والعدوان المستمر الذي يتعرضون له .
على كل حال ما جرى لن تنتهي آثاره ومفاعيله عند هذا الحد، فهو مجرد بداية لما يمكن ان يقع خلال المرحلة القادمة إن لم يتم حل الأزمات المستعصية التي تعصف بالكثير من الساحات على مستوى الإقليم لاسيما في اليمن وسوريا والعراق وفلسطين، والتي لها علاقة مباشرة بالكباش الأمريكي الإيراني الذي يتوسع كل يوم وربما يشمل ساحات أخرى قريبا . هذه العملية (الرسالة) إن جاز لنا التعبير تؤشر بما لا يدع مجالا للشك ان محور المقاومة الذي تقوده إيران بكل اقتدار ليس بذلك الخصم الضعيف الذي يمكن لقوة عظمى كأمريكا تطويعه وتخويفه كما تفعل مع باقي الدول ، وان هذا المحور يمتلك من الأدوات والأوراق ما يمكنه من قلب الطاولة على رؤوس الجميع إن قرر ذلك . ومن ناحية أخري تثبت هذه العملية ان أمريكا ليس بالحليف الذي يمكن الاعتماد عليه أو الوثوق به !! فهي دولة تقوم على الانتهازية والعربدة والنهب لمقدرات الدول الغنية لاسيما العربية منها !! والدخول في حروب طاحنة وتقديم خسائر بشرية لم يُعد من أولوياتها !! ولذلك من الأجدى لدول المنطقة التي تجمعها أواصر الدين والنسب والجغرافيا والمصلحة المشتركة أن تبحث عن حلول لمشاكلها واختلافاتها !! أن تتحاور فيما بينها بدون تدخل خارجي وهذا ممكن وقابل للتنفيذ !! المهم ان تتواجد الإرادة ، وان تحل الثقة بين جميع الأطراف بدلا من التشكيك، فالأجنبي راحل لا محالة !! فهو غريب وليس من طينة هذه الأرض !! وليس له مستقبل فيها طال الزمان أو قَصُر .


التعليقات : 0