نواف الزرو
وفق الخطوط والمعطيات السياسية الماثلة أمامنا في المشهد السياسي الانتخابي الإسرائيلي، يمكننا القول بأن الأجندات السياسية لدول المنطقة، سواء فلسطينية أو عربية، وكذلك الأوروبية والأمريكية، كلها مرتهنة في حقيقة الأمر للأجندة السياسية الإسرائيلية سواء الراهنة أو المستقبلية القادمة بعد الانتخابات، وهذه ليست مبالغة، فكل الأطراف المعنية وفي مقدمتهم الفلسطينيون والعرب، جمدت أجنداتها وبرامجها – إن وجدت – ونشاطاتها وفعالياتها السياسية الجادة، ورهنتها قسراً أو طواعية للمشيئة السياسية الإسرائيلية كما أرادها نتنياهو وأجلها إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية، والملموس أن كل هذه الأطراف، تقف في هذه المرحلة عاجزة مشلولة راضخة لبلطجة نتنياهو وقراراته الحربية والعدوانية، أما في المفاوضات فقد أعلن منذ زمن طويل عن موت أوسلو، ورفض الدولة الفلسطينية، وعن المزيد من اللاءات المعروفة.
والمذهل إذا ما توقفنا أمام البعد الاستراتيجي للمسألة، فان كل هذه الأطراف العربية المطبعة والمتفرجة على نحو خاص أخذت تسير وتتأقلم حسب الإيقاع الإسرائيلي ووفق الأجندة السياسية الإسرائيلية، حتى دون أن تحث نفسها على وضع أجندة سياسية خاصة تشتمل على بدائل وخيارات أخرى، حال مثلاً نجح نتنياهو مرة أخرى بتشكيل الحكومة الجديدة، وحال مثلاً مواصلته برامجه الحربية والاستيطانية التهويدية وانتهاكاته لكافة القرارات والمواثيق الدولية، بقوة القوة والبلطجة والاستخفاف بكل الآخرين، وحال إصراره على مواصلة الاستعمار الاستيطاني وهذا المرجح فهو يعلن ذلك ليل نهار.
إلى ذلك، فالمؤشرات والاستطلاعات الإسرائيلية المتعلقة بالاحتمالات والسيناريوهات المتعلقة أولاً بمزاج الرأي العام الإسرائيلي، والمتعلقة ثانياً بالسيناريوهات المتعددة للحكومة الإسرائيلية القادمة، والمتعلقة ثالثاً بالأجندة السياسية للحكومة الإسرائيلية القادمة ومواقفها المحتملة تجاه القضايا الكبيرة المؤجلة، كلها تظهر أننا مقبلون على الأرجح على حكومة إسرائيلية تحالفية بين غانتس ونتنياهو أو حكومة ليكودية يمينية دينية استيطانية برئاسة نتنياهو، فالمعطيات التي تؤشر إلى التحول اليميني الديني الجارف في المجتمع الإسرائيلي تزداد من يوم ليوم، فهناك المزاج العام للرأي العام الإسرائيلي، وهناك البرامج السياسية للأحزاب التي تتحدث عن نفسها، وهناك السير الذاتية للزعماء الإسرائيليين المرشحين من نتنياهو إلى غانتس إلى يعالون إلى لبيد إلى ليبرمان وغيرهم.
البرنامج السياسي للحكومة القادمة:
وتبقى الأسئلة الكبيرة فلسطينيا وعربيا تدور حول البرامج السياسية المحتملة للحكومة الإسرائيلية القادمة بعد الانتخابات:أما عن البرامج السياسية لأحزابهم، فلن نأتي بجديد حينما نؤكد ان البرامج السياسية للأحزاب وللحكومات الإسرائيلية القادمة إما برئاسة نتنياهو أو برئاسة غانتس، ستكون استمرارا للبرامج السابقة، بل ربما سيكون ابعد وأعمق واشد يمينية بسبب ظهور أحزاب يمينية اشد تطرفا من نتنياهو وغانتس تنافسه على”ارض إسرائيل” والاستيطان وغير ذلك، فعلى سبيل المثال وفي احدث بياناتهم فهم يعلنون في كل مناسبة عن رفض قيام دولة فلسطينية، إلى ذلك فان البرنامج الليكودي تحديدا يركز كما هو معروف على الاستيطان والتهويد والحروب الداخلية ضد الفلسطينيين، كما يركز خارجيا على حرف البوصلة الحربية باتجاه إيران وحزب الله، بينما يركز عربيا على توسيع مساحة التطبيع العربي مع كيانهم. وبالتالي يمكننا أن نصيغ الخطوط الأساسية للحكومة القادمة المحتملة كما يلي :
أولاً: لا للانسحاب لحدود حزيران 67 .
ثانياً: لا للدولة الفلسطينية المستقلة. ثالثاً: لا للانسحاب من غور الأردن . رابعاً: القدس موحدة عاصمة إسرائيل إلى الأبد . خامساً: من حق اليهودي أن يستوطن في أي مكان يريد في أرض إسرائيل – والضفة جزء منها – أي لا لفك المستوطنات اليهودية . سادساً: لا لحق العودة لا للاجئين أو للنازحين الفلسطينيين. سابعا: تحقيق الإجماع الحربي الصهيوني دائما على شطب وإلغاء الوجود والحقوق الفلسطينية..
كما انه من الواضح تماماً من خلال الأجندات السياسية المشار إليها سواء لنتنياهو أو لغانتس أو لليبرمان، فإن القواسم المشتركة الأساسية والخطوط الحمراء في القضايا الأساسية والإستراتيجية هي مشتركة بين بينهم جميعا، وإذا ما تحدثنا عن انعدام الفوارق بين الاثنين-أي نتنياهو وغانتس- في الخطوط الحمراء، فإننا نجد ذلك موثقاً في الأدبيات الخاصة بالأحزاب الأساسية، وبعبارة أخرى واضحة: من الخطأ ان نعقد أي مفاضلة ما بين الاثنين أو المراهنة على احدهما.
وفي ضوء كل ذلك فإن الخطوط الأساسية للبرنامج السياسي لحكومة الوحدة الإسرائيلية – إن تشكلت – ستتشكل كما يلي :-
أولاً : القدس موحدة عاصمة إسرائيل وتحت السيادة الإسرائيلية إلى الأبد .
ثانياً : لا للعودة إلى حدود حزيران /1967 – الأمر الذي يعني بقاء واستمرار الاحتلال لجزء كبير من أراضي الضفة .
ثالثاً : لن يجري حل المستوطنات، وستبقى هذه تحت السيادة الإسرائيلية – والحديث هنا عن المستوطنات واسع ومتشعب. رابعاً : لا لدولة فلسطينية مستقلة ، بالمعنى الحقيقي . خامساً : لا لحق العودة الجماعية للاجئين أو للنازحين . سادساً : لا للانسحاب من هضبة الجولان، وأن كان حزب العمل قد وافق سابقاً على أن الجولان سورية السيادة ، غير أنها يجب أن تبقى إسرائيلية الأمن. سابعا: يضاف إلى ذلك الإجماع البرامجي السياسي الإسرائيلي ما بين مختلف الأحزاب على مواصلة نهج الاستيطان والتهويد.
*استخلاص أساسية في ضوء كل ذلك، يمكننا أن نضع خطوط مشددة تحت أهم الاستخلاصات: أولاً : أن الارتهان الفلسطيني والعربي والدولي للمشيئة الإسرائيلية، وكذلك للأجندة السياسية سواء لنتنياهو أو لغانتس، ينطوي بلا شك على خلل في الرؤية التحليلية والتخطيط الاستراتيجي، وكذلك على عجز واستخذاء مذهلين. ثانياً : ليس من المنتظر وفق الأدبيات السياسية الإسرائيلية المقروءة، أن نلمس تغييراً جذرياً أو جوهرياً أو استراتيجياً في الأجندة السياسية الإسرائيلية القادمة، سواء في ظل حكومة برئاسة نتنياهو ، أو أي حكومة ائتلافية أخرى، ونقصد بالتغيير الجوهري أو الاستراتيجي على وجه الخصوص في قضايا القدس والاستيطان والحدود والدولة الفلسطينية والمياه.
ثالثاً : وعلى أرضية ذلك فإن القضايا الكبيرة الجوهرية المؤجلة ستنطوي على طاقة تفجيرية هائلة، فالقدس قضية متفجرة ولا سلام ولا استقرار في المنطقة دون القدس عربية الهوية والسيادة مثلاً، والاستيطان قضية متفجرة كذلك حيث لا سلام ولا استقرار ولا مستقبل فلسطيني مستقل بوجود واستمرار الاستيطان اليهودي الذي يصر عليه المتنافسون، وأيضاً لا حل جذرياً للصراع دون هزيمة الكيان والمشروع الصهيوني، ولذلك ستبقى قضية الانسحاب ورحيل الاحتلال من كافة الأراضي العربية المحتلة متفجرة جداً وهكذا ينسحب الأمر على كل القضايا الكبيرة الأخرى مثل حدود نهر الأردن والمياه والجولان واللاجئين والنازحين .. الخ.
رابعاً : وبذلك تكون الأجندة السياسية الإسرائيلية القادمة واضحة المعالم والخطوط والأهداف والأبعاد والتداعيات الأمر الذي يستوجب بالضرورة مراجعة فلسطينية عربية:
أولاً للخطاب السياسي والإعلامي العربي إزاء السياسة الإسرائيلية، ومراجعة للأولويات الوطنية الفلسطينية.
ثانياً وخاصة على مستوى ترتيب البيت الفلسطيني وتصليب جدران الجبهة الداخلية الفلسطينية في مواجهة معارك القضايا المؤجلة التي تشكل كلها معاً جوهر الصراع والقضية الفلسطينية.
خامساً: مراجعة الفلسطينيين والعرب لأسس ومرجعيات وأوراق العلاقة مع الكيان والاحتلال، والعودة على قدر الإمكان إلى مرجعيات أكثر صدفية وقوة في القضايا الكبيرة، فهناك على سبيل المثال أكثر من مائة قرار دولي كلها تعتبر القدس مدينة محتلة ، والاستيطان فيها غير شرعي .. الخ. فعلى قدر البذل والعطاء والعمل العربي، على قدر ما يفرض العرب –ان جد جدهم- أجندتهم السياسية على العالم وعلى إسرائيل والإدارة الأمريكية…؟!


التعليقات : 0