بقلم/ عرفات عبدالله أبوزايد
لقد تابعت خطاب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي أبوطارق النخالة بشكل دقيق ، لاسيما ونحن نتحدث عن احد الشخصيات التي لها تأثير مباشر على القضية الفلسطينية , و لمعرفة كيف يمضي مؤشر المقاومة وسط هذا الضباب المخيف الذي يلوح في الأفق, وكذلك كنت أهتم بمتابعة لغة الجسد لدى أمين عام الجهاد الإسلامي في اثناء الخطاب الجماهيري في احتفالية الحركة في ذكرى انطلاقتها الـ 32 .
لقد وضع الامين العام النقاط على الحروف في كثير من القضايا وأكد على ان حركة الجهاد الاسلامي تكاد تكون الحركة الوحيدة التي لديها موقف ثابت وواضح ولم يتبدل منذ انطلاقتها حتى الان، وفي خِضم تفصيل الخطاب فقد تباينت بعض ردود الفعل على هذا الخطاب التاريخي الذي سيكون له ما بعده في إطار منظومة عسكرية سياسية متكاملة الأضلاع تمضي بإتساق وتوازن مع الحاضنة الشعبية التي لبت نداء الحركة فكان ذاك المشهد المُهيب الذي تجمعت به الحشود لإحياء هذه الذكرى الفارقة في تاريخ القضية الفلسطينية , وأهمية تسليط الضوء على حركة جعلت من فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية في الوقت الذي كانت تعتبر أفغانستان أو الصومال والشيشان في مقدمة أولويات العرب الذين فتحوا مقرات لتسجيل (المجاهدين العرب) للقتال في أفغانستان التي تبعد عنهم آلاف الكيلو مترات بينما فلسطين تبعد عنهم مرمى حجر ولم تكن على اجنداتهم، فجاء هذا الخطاب ليؤكد بأن البوصلة الحقيقية للأمة هي فلسطين والقدس، ومن يسير في هذا الركب نحن منه وهو منا، ومن يخالفه فهو جعل من نفسه جزء من صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية.
إن حديث الأستاذ زياد النخالة على أن المقاومة باتت تُحاصر إسرائيل لم يكن حديثاً عاطفياً أو مجرد فضفضة لدغدغة مشاعر من يسمعه, إنما هذا الحديث يأتي في إطاره الحقيقي والمناسب المرتكز على المعطيات والمعلومات، والذي لا يتجاهله إلا من أصابه العمى في بصره وبصيرته او أصابه الحقد, فالأمين العام لا ينطق إلا بما يعلمه يقيناً وهو بالأساس مبني على معلومات مؤكدة مرفقة بما يبرهن هذا الحديث, في بعض الدوائر الضيقة ذات الاطلاع تعلم بأن هذا الحديث محط صواب يرتبط مع الواقع الذي تعيشه المقاومه على الأرض سواء على مستوى العديد أو العتاد, وربما لم يكن أكثر المتفائلين قبل عقدين من الزمان يتوقع أن تصل المقاومة الى ما وصلت اليه اليوم من تغيير في معالم وشكل ونوعية المقاومة والخطط التي باتت محل إعجاب وذهول الأعداء قبل الأصدقاء, لدرجة أن بعض المدارس الحربية باتت تدرس العديد من عمليات المقاومة من حيث القدرات العسكرية ومن حيث التكتيك العسكري المستخدم.
إن الحصار الذي تفرضه المقاومة على الكيان الصهيوني اصبحت تتحدث عنه أكبر دوائر الأمن الصهيوني ومراكز الأبحاث والدراسات الأمنية الصهيونية التي تُسلط الضوء بشكل مستمر على تعاظم قوة المقاومة التي أضحت تحدد مواعيد عمل مستوطني غلاف غزة, وأصبح الكابينت الصهيوني يقف عاجزاً محاصراً في مقر الكرياه وسط تل أبيب, حيث خرج أعضاء الكابينت المصغر في أكثر من مرة متأففين ساخطون معلنين على الملأ لاول مرة نحن لا نملك خيارات بالتعامل مع المقاومة في غزة , وما نراه هو أننا نحن الذين تُحاصرنا المقاومة في غزة.
إنه لمن السذاجة حديث البعض ومحاولته طبع صورة الحصار في غزة كالحصار الذي تحدث عنه الأمين العام في إسرائيل, وتناقل نفر منهم لمقارنات بما يتعلق حصار غزة والحصار على إسرائيل، فالكيان الصهيوني كيان عدواني مجرم يمتلك من القوة العسكرية والأسلحة الفتاكة والدعم الأمريكي والغربي التي لا يمكن مقارنتها مع ثُلة من المقاومين الذي يحفروا بالصخر لأجل كرامة هذه الأمة ومجدها وعِزها.
إذن كيف هو شكل هذا الحصار الذي تحدث عنه الأمين العام للجهاد الإسلامي؟ فبعيداً عن الملفات الأمنية والعسكرية المغلقة التي تقع بين يدي الأمين العام وإطلاعه على فاعليتها وتأثيرها وأدق تفاصيلها, فإن حديثي ينصب على ما هو ظاهراً ومعلن عنه بطبيعة هذا الحصار.
- حصار الدعاية الصهيونية التي تذهب نحو شيطنة المقاومة وافراغها من حاضنتها/ فالمقاومة في غزة باتت تمتلك آلاف من المقاومين المدربين والمجهزين عسكرياً وفكرياً , حتى باتت المقاومة تمتلك نخبة النخبة في صفوفها , وهذا هو أولى علامات حصار رجال الشاباك والأمن الإسرائيلي الذي دفع بملايين الدولارات وخبرات عسكرية وامنية ونفسية واعلامية هائلة لتفريغ المقاومة من كينونتها وشبابها و حاضنتها الشعبية, فعلى سبيل المثال سرايا القدس عندما بدأ مؤخراً أحد ملفاتها الهامة كــ ملف التعبئة العسكري ذات الصلة الأولى للتجنيد العسكري في صفوف سرايا القدس في الفوج الأخير قد تقدم للتجنيد في صفوف سرايا القدس آلاف الشباب ربما لا يحق لي التصريح بالعدد لكن إن أُعلن عن هذا العدد سيكون صاعقة كبرى في رأس المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي فشلت وحوصرت أفكارها في مواجهة المقاومة التي لا ينفك الشباب من الالتفاف حولها وبذل العديد من التدريبات والاختبارات الصعبة ليتسنى لهم القبول كجنود في صفوف المقاومة.
- حصار اليد الطولى للكيان الصهيوني بمنع تسليح المقاومة/ قد وضعت إسرائيل كافة قدراتها الأمنية والعسكرية في وقف أي دعم لوجيستي للمقاومة, فلم تألوا جهداً عن قصف نقاط الدعم سواء في السودان سابقاً أو سيناء أو حتى في سوريا والعراق ولبنان, وهذا كله لتجفيف منابع دعم المقاومة, وكان هدف الكيان ايجاد مقاومة لا سلاح لديها سوى بعض الاسلحة البدائية الخفيفة التي لا تاثير لها، وهنا تنفس الصعداء قادة الكيان، فكان لهم صاروخ جحيم عسقلان صداع مزمن لا يعلموا ما صُنع بعده ومابعده، هنا المقاومة تفرض حصاراً جديداً على إسرائيل في صراع الأدمغة من خلال إطلاق العنان لشباب المقاومة وخبراتها لصناعة الصواريخ وسلاح القنص والبنية العسكرية المتخصصة بسلاح الأنفاق التي لا تعلم إسرائيل كم عددها ولا مساحتها ولا مخارجها , والتي ربما تكون خلف خطوط العدو بشكل كامل ، يعلم العدو يقيناً بأن هذا السلاح لا يحاصره فحسب بل يخنقه ويؤكد على أن هذه المنظومة قابلة للانهيار في أي لحظة.
- حصار الاحباط واليأس الذي يفرضه الكيان الصهيوني / هذا الحصار الذي تفرضه المقاومة على الكيان الصهيوني من خلال طائراتها المُسيرة التي لا تعلم إسرائيل لحتى هذه اللحظة كيف تخرج هذه الطائرات من غزة لتلقي عدد من قنابلها وعبواتها في وسط قواتها العسكرية ومن ثم تعود تلك الطائرات لقواعدها في غزة, هذه غزة التي تقول إسرائيل أنها تراقب بها خطوات النمل في باطن الأرض بغزة, وتضع أقمار التجسس وكل وسائل التكنولوجيا إلا أنها لم تعلم كيف تحاصرهم طائرة مسيرة تخرج من وسط مخيمات اللجوء في غزة لتحلق في أرضنا المحتلة .
- حصار الفتنة والفوضى الاقليمية التي اشعلها الكيان الصهيوني/ هذا الحصار الذي تفرضه المقاومة على الكيان الصهيوني من خلال علاقات وترابط المقاومة مع محيطها العربي والإسلامي المقاوم ويعود الفضل ونصيب الأسد بهذه العلاقة لحركة الجهاد الإسلامي بشكل خاص ولأمينها العام الحالي أبوطارق النخالة الذي قاد هذه المرحلة بإقتدار عالِ مكملاً الطريق الذي سار به الأمين العام السابق الدكتور رمضان شلح ومن قبلهما الدكتور فتحي الشقاقي صاحب البصيرة النادرة، لقد استطاعت حركة الجهاد الاسلامي التعامل مع إقليم ملتهب وسط حرب كونية على محور المقاومة, فكانت هذه النظرة الثاقبة والبصيرة الإلهام الرباني الذي قادته حركة الجهاد الإسلامي وإستطاعت أن تكرس حالة ترابط الجبهات وتقود هذه الجبهات بفكر واحترام وتقدير متبادل مع اركان محور المقاومة الذي بات يطبق الحصار كاملاً على اسرئيل حسب تصريح كافة قيادات هذا الكيان الصهيوني في أكثر من مناسبة بأنهم يعيشوا محاصرين وسط "الإرهابيين" من الشمال والجنوب, لذا حصار المقاومة والتفرد بها كان عنوان الخطة الصهيونية وانفكاك محيطها العربي والاسلامي عنها, فكانت المقاومة بفلسطين وغزة بقيادة حركة الجهاد الإسلامي صاحبة تماسك هذه الجبهة وقوتها, وأصبح الكيان محاصر في وضع السيناريوهات عن طبيعة المعركة القادمة في حال فُتحت كافة الجبهات في آن واحد، لعله من المؤكد لا يجرؤ قائد في الكيان الصهيوني قادر أن يصل لهذا السيناريو حتى في التفكير والخيال .. فهذا كابوس مروع للكيان .!
هذا الحصار الذي تفرضه المقاومة على الكيان الصهيوني يمكن تلخيصه في جولات التصعيد الأخيرة التي كان للمقاومة بها الكعب الأعلى وسرعان وصول الوفود الدولية الى غزة لتثبيت وقف اطلاق النار , وهذا لم يكن عبثاً , فهذا الكيان لو كان لديه المعلومات أنه يستطيع سحق المقاومة في غزة لن يتوانى للحظة, ولكنه أصبح على يقين بأنه في أي تصعيد قادم فلن يكون مستوطني غلاف غزة محاصرين في ملاجئهم فحسب بل ما هو أبعد من ذلك.
، ولن يدفع مواطني غزة الثمن فقط بل جيش الكيان ومستوطنيه ، لدرجة انه يمكن الاطاحة بأكبر قائد في الكيان على غرار السقوط المدوي لرئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو وليس بعيدا عنا مشاهد حصاره وهروبه في قاعة كان يخطب بها مؤخرا نتيجة انطلاق صفارات الانذار ايذاناً باطلاق بضع صواريخ من غزة؛ هذا المشهد بقي عالقا في العقل الباطن للناخب الاسرائيلي الذي عاقب نتنياهو بطريقته، وهذا المشهد لن يمحى بسهولة ولن يكون تاثيره النفسي والمعنوي على صناديق الاقتراع لانتخابات الكنيست فحسب.
ياسادة ان صمود المظلوم أمام الظالم هو عين الانتصار , فكيف هو الحال بما تفعله المقاومة أمام الكيان الصهيوني , فهي لم تصمد فحسب, بل باتت تواجهه من خلال أدوات إبداعية لم تصل اليه أعتى العقول الأمنية الصهيونية وليست عملية العلم على حدود غزة عنا ببعيدة, فهذا العدو الذي أحضر بالأمس عشرات الاليات وفرق عسكرية هندسية وخبراء متفجرات وبقي لعدة ساعات وهو يستعد لإزالة علم لتنظيم حزب الله من على السلك الشائك على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة , فهذا المحتل أصبح محاصراً في ذاته, أولئك الشباب الثائر في الضفة الذي يقف جنود الكيان مهزومين جبناء أمامهم ويقوم الضابط بضرب جنوده والتهجم عليهم بسبب حالة الجُبن لديهم, هل هذا ليس حصاراً للعقلية الأمنية الصهيونية التي كانت تقول بأن هذا الجندي لا يُقهر ؟!
هذه نماذج بسيطة وظاهرة للحصار الذي تمارسه المقاومة على الكيان الصهيوني, وهناك أنواع وأشكال أخرى للحصار لا نعلم عنها شيئاً, تقوم بها المقاومة على مدار الساعة من الابداع التقني والتكنولوجي والعسكري لن يظهر إلا في موعده, لكن أهم و أروع صور الحصار هي حصار الأفكار الصهيونية التي تحاول فرض صفقة القرن وفصل غزة عن فلسطين المحتلة وكذلك فصلها عن محيطها العربي والإسلامي وتفريغ مقاومتها من محتواها وشبابها وانفكاك حاضنتها الشعبية, كل هذا فشلت به إسرائيل بل أبدعت به المقاومة, وباتت المقاومة تحاصر العدو في مشاريعه.
إن ما نطق به الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الأستاذ زياد النخالة لهو الصواب الذي لا يعلمه إلا من أراد لنفسه أن يكون كذلك, فتلك أكبر دوائر الأمن الصهيونية تقل عن الرجل بأنه ربما يكون الأكثر عبقرية في تاريخ الصراع مع إسرائيل ولديه كاريزما عالية في تشجيع وتنامي المقاومة في غزة والضفة .. هذا اعتراف العدو وتحليله لهذه الشخصية الفلسطينية الفذة والمقاومة .


التعليقات : 0