نواف الزرو
في محطات المسيرة الاعتقالية الاكبر في التاريخ الحديث، وفي قلب معسكرات الاعتقال الصهيونية وخلال عقود اعتقالهم في الزنازين والغرف الانفرادية، خاض الاسرى الفلسطينيون اضرابات مفتوحة عن الطعام في مواجهة مخططات الاحتلال الرامية الى دفنهم احياء في غياهب الزنازين، ويأتي في مقدمة هذه المسيرة الاضرابات المفتوحة عن الطعام التي يخوضها المعتقلون الاداريون، الذين تتجدد الاحكام الادارية بحقهم مرة تلو الاخرى، وقد تستمر لسنوات عديدة بدون تهم واضحة وعلى نحو يخالف كافة المواثيق والقوانين الدولية.
ويوثق في سجل الحركة الاسيرة الفلسطينية سلسلة مفتوحة من الاضرابات القصيرة والطويلة، وقد سجل بعض الاسرى الاداريين اضرابات اسطورية عن الطعام احتجاجا على سياسة الاعتقالات الادارية، ويشار هنا الى عدة معتقلين اداريين اعلنوا الاضرابات المفتوحة عن الطعام وما زالوا يواصلونها، واحدثها وابرزها الاضراب المفتوح الذي اعلنته الاسيرة هبة اللبدي قبل خمسة وعشرين يوما احتجاجا على اعتقالها الاداري هكذا بدون اية ادلة، لتنضم هبة بذلك الى آلاف القصص النضالية التي يسطرها المناضلون في معتقلات الاحتلال.
وفي هذا السياق النضال أكد مركز أسرى فلسطين للدراسات في تقرير له يوم الجمعة الماضي بأن ستة أسرى فلسطينيين يواصلون معركة الأمعاء الخاوية احتجاجاً على استمرار اعتقالهم الإداري، في ظروف اقل ما يقال عنها انها قاسية وخطيرة، وأوضح الباحث رياض الاشقر الناطق الإعلامي للمركز “أن أقدم الأسرى المضربين الأسير المريض أحمد عبد الكريم غنام (42 عاما) من الخليل، وهو يخوض الاضراب منذ 97 يوماً متواصلة-هذا الرقم حتى يوم الجمعة 2019-10-18″. بينما يواصل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الأسير طارق حسين قعدان (46عامًا) من مدينة جنين إضرابه المفتوح لليوم الـ 80 على التوالي”. وبين الأشقر بأن الأسير اسماعيل أحمد علي (30 عاماً) من بلدة أبو ديس بالقدس يخوض إضرابا عن الطعام منذ 87 يوماً متتالية احتجاجاً على اعتقاله الاداري، وهو أسير سابق امضى 7 سنوات في سجون الاحتلال، ويقبع في مستشفى “الرملة”، ويعاني من هبوط حاد في دقات القلب التي وصلت نسبتها إلى 25 %، وضعف في عضلة القلب، وآلام في الكلى. كذلك يواصل الأسير مصعب توفيق الهندي (29 عاماً) من بلدة تل في محافظة نابلس، الاضراب عن الطعام منذ نحو اربعين يوماً، بعد صدور امر ادارى بحقه، حيث أنه أسير محرر أعيد اعتقاله في الرابع من شهر سبتمبر الماضى، وكان أمضى 6 سنوات في سجون الاحتلال، معظمها تحت الاعتقال الإداري. كذلك يخوض الأسير المحرر المعاد اعتقاله أحمد عمر زهران (42 عاماً) من قرية دير أبو مشعل غرب رام الله، منذ 21 يوماً، بعد أن نكث الاحتلال بوعده له خلال بإطلاق سراحه في أكتوبر بعد أن خاض إضرابا عن الطعام في يوليو الماضي استمر 38 يوماً متتالية، وجدد له الإداري لمرة ثالثة. وكان الأسير زهران أسير سابق كان أمضى 15 عاماً في سجون الاحتلال على عدة اعتقالات، وأعيد اعتقاله في شهر مارس الماضي وصدر بحقه قرار ادارى وحين التجديد له لمرة ثانية خاض اضراب عن الطعام وعلقه بعد التوصل لاتفاق بإطلاق سراحه في أكتوبر، الَّا ان الاحتلال لم يوفى بوعوده وجدد له الإداري مما دفعه لخوض اضراب للمرة الثانية خلال هذا الاعتقال. بينما تأتي المعتقلة الأسيرة الأردنية هبة اللبدى (24 عاماً) لتخوض ايضاً إضرابا عن الطعام منذ 25 يوماً بعد اصدار أمر اعتقال إدارى بحقها، وهى معتقلة منذ 20/8/2019 خلال وصولها برفقه والدتها لمعبر الكرامة، ورفضت مخابرات الاحتلال اطلاق سراحها وتم تثبيت الإداري بحقها لمدة 5 شهور.
ويشار هنا ايضا الى اضرابات اخرى عن ملحمية عن الطعام احتجاجا على الاعتقالات الادارية، فهاهو المناضل البطل بلال كايد كان قد واصل مسيرة الابطال في معتقلات الاحتلال في اضراباتهم المفتوحة عن الطعام، وسجل اكثر من واحد وسبعين يوما من الاضراب المفتوح عن الطعام، وسطر ملحمة جديدة في مسيرة جنرالات الملح والصبر في معتقلات الاحتلال الصهيوني، توجت بانتصاره على الاحتلال. ومعه والى جانبه محمد وأحمد البلبول اللذين سجلا اضرابا مفتوحا عن الطعام وصل الى ثلاثة وخمسين يوما.
وكان الأسير الفلسطيني الصحفي محمد القيق، قد خاض ايضا اضرابا عن الطعام استمر لمدة 93 يوما، الى ان تم الاتفاق على الإفراج عنه يوم 21 مايو/ أيار /2016. وكذلك الأسير محمد علان الذي سجل اضرابا عن الطعام استمر 65 يوما الى ان اقر قضاة المحكمة العليا بوقف الاعتقال الإداري بحقه، وفي تموز /2015 انهى الشيخ المناضل الاسير خضر عدنان اضرابه المفتوح عن الطعام الذي استمر ستة وستين يوما، سجل فيه ملحمة نضالية فريدة في تاريخ نضالات الحركة الاسيرة الفلسطينية..وكذلك الأسيرة المحررة هناء الشلبي التي اعتقلتها قوات الاحتلال، اعلنت بدورها إضرابا عن الطعام احتجاجا على اعتقالها دون سبب، وتحويلها إلى الاعتقال الإداري لمدة 6 شهور. وقبلها، وعلى مدى اكثر من اربعة اسابيع كاملة على التوالي واصلت الاسيرة الفلسطينية نورا محمد شكري جابر إضرابها المفتوح عن الطعام والذي خاضته احتجاجا على التمديد السابع لاعتقالها الإداري- 2008-01-12 ، وقد اعتقلت نورا البالغة من العمر 37 عاما من عقبة تفوح في مدينة الخليل من بيتها منذ 15 شهرا واحتجزت في ظروف اعتقالية قاسية عدة أسابيع قبل ان تحوّل إلى الاعتقال الإداري دون ان تتضح ذرائع اعتقالها ،فلم توجه لها أي تهمة حتى الآن، ونورا أم لستة أطفال و زوجة الأسير محمد سامي الهشلمون المعتقل في سجن النقب الصحراوي منذ أيلول 2006 الذي يغوص أيضا في دوامة الاعتقال الإداري.
وقبل ذلك، خاض الأسرى الفلسطينيون وفق الاحصاءات الفلسطينية نحو اربعة وعشرين اضرابا رئيسيا عن الطعام في مواجهة اجراءات القمع والتنكيل والالغاء التي تمارسها ضدهم مصلحة السجون الاحتلالية. اربعة وعشرون إضراباً مفتوحاً عن الطعام حتى الموت خاضها آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون ومعتقلات الاحتلال منذ أن وقعت الضفة الغربية وقطاع غزة في أسر الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 .. يضاف إليها مئات الاضرابات الامتناعية والعصيانية وأشكال الاحتجاجات الإنسانية المختلفة الأخرى ..
يطلقون على الاضرابات هناك في فلسطين تارة “رحلة الموت والجوع”، ويطلقون عليها طوراً”رحلة الملح والجوع”، بينما يطلقون عليها تارة ثالثة”معارك الأمعاء الخاوية”، ويطلقون عليها أحياناً “انتفاضات الحركة الأسيرة الفلسطينية” .
وهم، يجمعون كلهم على امتداد سجون ومعسكرات الاعتقال الاحتلالية على :
” نعم للجوع … ولا .. ألف لا للركوع “
وكأن لسان حالهم يقول دائماً :
“سنصبر حتى يعجز كل الصبر عن صبرنا ” ..
وينشدون كلهم ايضا مع معين بسيسو:
“نعم لن نموت، نعم سوف نحيا
ولو أكل القيد من عظمنا
ولو مزَّقتنا سياط الطغاة
ولو أشعلوا النار في جسمنا
نعم لن نموت، ولكننا
سنقتلع الموت من أرضنا”
ولا يسعنا نحن في الخارج الفلسطيني الا ان ننحني تقديرا واجلالا، وربما خجلا ايضا امام هذه القامات النضالية الاسطورية من هبة للبدي الى هناء الشلبي الى نورا جابر الى بلال الكايد مرورا بعدد كبير من الاسرى الابطال وليس انتهاء عنده….انه ايضا صراع وجود في معتقلات الاحتلال الصهيوني.


التعليقات : 0