جمعة التايه
أبدعت حركة الجهاد الاسلامي في مجال العمل الجهادي، حيث سجلت صفحات مضيئة في تاريخ المقاومة الفلسطينية رغم قلة الإمكان وصعوبة الظروف، منذ ثورة السكاكين التي فجرها أبطال الجهاد الاسلامي، مرورا بمعركة الشجاعية التي حفرت في الوعي الفلسطيني عميقاً، وشكلت نموذجاً متقدماً في الاشتباك المسلح، وصولا إلى عملية بيت ليد التي رسمت ملامح مرحلة جديدة للجهاد الاسلامي بنوعيتها وقوتها وشدة تأثيرها في العدو، فقد اثخنت فيهم الجراح، وعلى حافة الجرف الذي حفرته أجساد الشهداء قرر الهالك رابين إغتيال الأمين العام فتحي الشقاقي رحمه الله سريعاً.
لم تكن عملية مجدو وكركور ووادي النصارى (زقاق الموت) إلا تزينياً لتلك الصفحات المشرقة، لتقف الجهاد الإسلامي كالطود الشامخ الذي لا يتزحزح رغم بطش العدو ووحشيته، ولتصبح الحركة كما الشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تُؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها.
كل هذا التاريخ الجهادي المُزيّن بالبطولات، والمُعمدّ بدماء الشهداء، لم يكن ليُكتب لولا أن هناك فكراً أصيلاً متنوراً يستند إليه، ولولا تلك الثقافة والوعي التي دعت لها حركة الجهاد منذ بداية بروزها وظهورها كمشروع إسلامي معاصر قد استوعب التاريخ وقرأ الواقع واستشرف المستقبل.
فأقامت الحركة الندوات واللقاءات والحوارات والنقاشات والخطب في مدن غزة ومساجدها، وبعض مدن الضفة الغربية وقراها، والشقاقي الذي دعا أتباعه أن يتسلحوا بالوعي قبل أن يمتشقوا البندقية، حيث رسم ملامح ثقافة جديدة تدمج وتوازن بين الإيمان والوعي والثورة.
هناك على مصطبه صبرا وشاتيلا في ساحة المسجد الاقصى في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي خصوصا في ليلة القدر لتسمع الجماهير وحشود المصلين لكلمات وخطب الأستاذ والخطيب المفوه –رمضان شلح- ولتشاهد المسرحيات الهادفة والاناشيد الثورية.. ويُختم المهرجان بمسيرة ومظاهرة عارمة تجوب ساحات المسجد الأقصى وهي تهتف: (موتي غيظاً يا أمريكا... وأبشر يا مسرى الرسول نصرالله غداً آتيك).
خّطت حركة الجهاد الإسلامي في بياناتها التي كانت تُصدرها كل شهر؛ معالم أفكارها وطروحاتها وشعاراتها لتؤكد على استقلاليه قراراها وأنها ليست تابعة ولا مرهونة لأية جهة.
ناهيك عن دورها المركزي في تعريف الشباب المسلم لاهم الكتاب والمفكرين الاسلاميين التي تنسجم كتاباتهم مع خط الحركة الفكري والسياسي، امثال سيد قطب، شريعتي، محمد الغزالي، مالك بن نبي، الغنوشي، محمد حسين فضل الله، وغيرهم الكثير.
ورويدا رويداً أنشأت الاذاعات والمحطات والصحف... صحيفة الاستقلال، وإذاعة القدس، واذاعة الاسرى، ومحطة فلسطين اليوم، لتكون منبراً وصوتاً ثقافياً واعياً يُغطي مساحة فلسطين وخارجها وهي تطرق جميع الأبواب التي تفتح على مصراعيها لتوصل ثقافة المقاومة للكل الفلسطيني والاقليمي، من خلال الموازنة بين الشعار والتطبيق، مع الاستمرار في ضخ ثقافة جديدة تصارع لثقافة الإحباط والاستسلام داخل شرايين المجتمع.
ما زال الجهاد الاسلامي نبعا ورافدا أصيلا لثقافة المقاومة، حتى بعد ٣٢ عاما على انطلاقته الجهادية من خلال تمسكه بمبدأ الواجب قبل الامكان، ورفعها لشعار فلسطين بؤرة الصراع الكوني، والحفاظ على دورها في ابقاء الفتيل الجهادي مشتعلا، من خلال توجيه بنادقها فقط نحو صدور الاعداء، وإيمانها العميق أن الجماهير أداة التغيير.


التعليقات : 0