د. اسعد جودة
لا شك في أن ما تتعرض له القضية من خطط وبرامج صهيو -امريكية وعجز عربي وهرولة وتطبيع فاضح وتربص اوروبي كل هذا يستدعي استحضار المحطات التي مرت بها القضية صعودا وهبوطا دون اسهاب للوصول الى رؤية تعين على الخروج من النفق.
المحطة الأولى :
من ١٩٤٨/٥/١٤م تاريخ النكبة وقيام دولة الكيان الصهيوني على ٧٨% من مساحة فلسطين التاريخية ،وما تلاها من اتفاق أريحا عام ١٩٤٩_١٩٥٠ اعلان الوحدة بين الضفة الغربية والأردن ومبايعة الملك عبد الله ملكاً عليهم على مساحة ٢١% أيضا من المساحة الاجمالية ليبقى ١% مساحة قطاع غزة.
كان حال الفلسطيني المهجر يرثى له بعد ان كان سيدا في وطنه وجد نفسه يفترش الأرض و ينتظر الخيمة ويتعرض لأبشع انواع العذاب من الجوع وشدته والدواء والايواء ، كان نصيب غزة أن تستقبل العدد الاكبر من اللاجئين من حوالى ستين بلدة وقرية ومدينة ليضغطوا جميعا في مساحة صغيرة لم تزد عن ٣٦٥كم مربع أي ١% من مساحة فلسطين الاجمالية، مقارنة بالمساحة التي هجروا منها ١٣٠٠٠ كم مربع اي ما يزيد ٤٠% من المساحة الاجمالية ٢٧٠٠٠ الف كم.
قطاع غزة له خصوصية أنه على ارض فلسطينية بعد أن رفضوا وقاموا التوطين في سيناء منتصف الخمسينيات والتدويل بعد العدوان الثلاثي عام ١٩٥٧م ، فمثلت غزة الضمير الجمعي لكل الفلسطينيين بأعمالهم الفدائية واختراق الاسلاك الشائكة، رافق ذلك حراكات وطنية وحاله وعي واحزاب لذا كانت خزان الوطنية الفلسطينية ومفجرة للمشروع الوطني.
- النظام العربي الرسمي استشعر العجز بأنه غير قادر على التحرير وبالتالي كان قراره في القمة العربية في القاهرة إنشاء منظمة التحرير عام ١٩٦٤م لتبدأ تتهيأ وتحشد وترفع الصوت كأصحاب بلد محتل وفي ١-١-١٩٦٥م أعلنت حركة فتح عن انطلاقتها تزامنا مع عملية عسكرية في نفق عيلبون ،خشية ان تكون المنظمة أداة في يد النظام العربي الرسمي.
المرحلة الثانية:
حرب عام ١٩٦٧م سقط للأسف المشروع القومي العربي وكانت هزيمة مدوية واحتلت دولة الكيان الصهيوني في ست ساعات سيناء المصرية -الضفة الغربية والقدس - قطاع غزة -الجولان السوري ومزارع شبعا . تلا ذلك مؤسسو فتح تركوا مواقع اعمالهم في الدول العربية وتحديدا الكويت والخليج وتفرغوا للعمل المقاوم بالإضافة الى قيادات وكوادر منظمة التحرير واتخذوا لهم مواقع في الاردن في المناطق الحدودية، وخلقت حاله ثورية تفاعلية من ملايين الفلسطينيين المتواجدين في الاردن كحاضنة شعبية.
مارس أذار عام ١٩٦٨م كان علامة فارقة في تاريخ المقاومة الفلسطينية يوم شن الكيان عمليات لتصفية هذه المجموعات فجوبه بعنف وبسالة واصرار على المنازلة وتعاون مع المقاومين من ضباط اردنيين من اصل فلسطيني انحازوا لإخوانهم وابلوا بلاء حسنا ولقنوا العدو درسا وسميت معركة الكرامة لأنها ردت الكرامة العربية التي سحقت فيما يسمى حرب الايام السته والتي اصطلح عليها النكسة. حركة فتح بعدها دخلت الى منظمة التحرير الفلسطينية بشعار الكفاح المسلح الخيار الاول والاخير لتحرير فلسطين وتم انتخاب الراحل ابو عمار رئيسا لمنظمة التحرير والى اللجنة التنفيذية.
وبعد ذلك اندلعت مواجهات عسكرية بين النظام الاردني والمنظمات الفدائية وللأسف انتهت بسقوط الاف الضحايا من الفلسطينيين والاعتقالات وخرجت المنظمة من الاردن خاسرة معها وجود فى اهم منطقة تماس وحدود مع فلسطين التاريخية تزيد عن ٦٠٠كم طولا ، للتواجد فى جنوب لبنان بحسب اتفاقية القاهرة.
المرحلة الثالثة :
-مرحلة التواجد في لبنان
صاحبها انخراط وتأسيس حالة ثورية من كافة اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان ونشطت في مشاغلة للعدو من جنوب لبنان وتواجدت القيادة الفلسطينية في بيروت ، في هذا التوقيت كان الداخل الفلسطيني قطاع غزة تحديدا تضعف فيه روح المقاومة من جراء ملاحقة المطاردين وتصفيتهم واعتقال من عليه شبهة والحكم عليهم بأحكام عالية وانعكاس الوضع واليأس بعد مجازر الاردن.
لذلك حالة القطاع بعد ما حصل أصيبت بصدمة وفتح العدو الفرص للعمل للداخل الصهيوني بشكل هستيري فسادت حالة من الركود في العمل الوطني الا ومضات متباعدة قرابة ستة عشر عاماً كان مئات الالاف من العمال يعملون داخل فلسطين المحتلة ومثلهم من الضفة الغربية.
المنظمة دخلت في معترك الحرب الاهلية وتعرضت لخسارات كبيرة في الارواح والماديات.
- قرار القمة العربية عام ١٩٧٤م في الرباط بالاعتراف بمنظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد ،جاء ردا على القرار الذى اتخذه المجلس الوطني باعتماد البرنامج المرحلي العشر نقاط الذى يتناغم مع قرار ٢٤٢ و٣٣٨ اي القصة تدور حول ما احتل بعد حرب ١٩٦٧م اعتراف بالكيان ترجمة ذلك الدولة بدل التحرير ، لذلك قمة الرباط عام ١٩٧٤م منحت المنظمة وسام التقدير من الدرجة الأولى «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني» لتتصدى لوحدها للتفاوض عبر خدعة القرار الوطني المستقل، وهذا جل ما كان يتمناه النظام العربي الرسمي ،هذا الاعتراف العربي والبرنامج الفلسطيني قد دعا بالأمم المتحدة في نفس العام ١٩٧٤م بدعوة الرئيس ابو عمار الى نيويورك مقر الجمعية العامة لتمنح المنظمة صفة مراقب ؟! هذه الاعترافات العربية والعالمية أسست فيما بعد الى اتفاق أوسلو ،والنتيجة تخلي النظام العربي الرسمي بالكامل عن المسؤوليات الوطنية والأخلاقية ولعب دور الوسيط ان سمح والدعم لن يكون الا عبر القنوات الدولية المهيمنة كما هو حاصل الآن الرباعية الدولية .مع الاشارة الا ان المنظمة تركت لبنان نهاية العام ١٩٨٢م الى الشتات العربي بعد الحرب التي شنها الكيان على لبنان واحتلاله لإخراج المنظمة وبعد حوالي ثمانين يوماً من الحصار سقطت بيروت وباتفاق فيلب حبيب خرجت قيادة المنظمة لتونس والقوات توزعت على دول عربية السودان اليمن الجزائر ..وخسرت الاف من الضحايا والقرب من الحدود والتماس.
الخروج من لبنان وقبله الخروج من الاردن خلق حالة تفاعل وحراكات فكرية قادت الى تولد قناعات داخل الحركة الاسلامية وداخل التنظيمات الوطنية التابعة للمنظمة ، لماذا لا يكون مركز الثقل في الداخل بدل الخارج هذا الفهم والقناعات قاد الى بلورة وضرورة هذه المنظمات كالجهاد الاسلامي وحماس وما إن جاءت الانتفاضة الثورة عام ١٩٨٧م التي كانت ثمرة لكل هذه الحركات والتفاعلات لتنطلق انتفاضة عملاقة وضعت الجميع امام تحدٍ غير مسبوق.
المرحلة الرابعة:
الحالة المزرية التي وصلت اليها منظمة التحرير فى الخارج وموقفها من احتلال الكويت ومؤتمر مدريد واستبعادها حينما حضر فلسطيني يرأسه الراحل د.حيدر عبد الشافي من الداخل تحت مظلة الاردن.
سارعت منظمة التحرير الفلسطينية باستثمار عاجل للانتفاضة العملاقة بفتح نفق سري أفضى الى اتفاق أوسلو الذي نتج عنه بعد تبادل الرسائل رابين - عرفات تشكلت السلطة الفلسطينية عام ١٩٩٣م.
- ألغى ميثاق المنظمة عام ١٩٩٦م في دورة اجتماع المجلس الوطني بغزة بحضور بيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة ووزيرة خارجيته مادلين اولبرايت ،واليوم دورها ينحصر وتستخدم كفزاعة في مواجهه القوى التى تنبهت مبكرا من كارثة أوسلوا ،كونها الابن الشرعي للنظام الرسمي العربي العاجز عن حماية نفسه.
المرحلة الخامسة :
- السلطة الفلسطينية بوضعها الراهن من ضعف ووهن مطالبة بل في قلبها صراعات لا تفضي في احسن الأحوال عن هيئة مدنية لإدارة «الحكم الذاتي على ما تبقى من أراضٍ ،تحت السيطرة الأمنية الاسرائيلية ؟؟!!
مشهد شديد القتامة سبعون عاماً من التضحيات المتواصلة مئات الالاف من الشهداء ومئات اخرى جرحى ومعاقين واكثر من مليون مروا على سجون الكيان الاحتلالي البغيض ،والنتيجة اعتراف بدولة الكيان على ٨٠%والعشرين في المئه تم قضم نصفها وتهودت القدس ويسعى لضم مناطق C والغور كما يصنفها بحسب اتفاق اوسلو والتي تزيد مساحتها عن ٦٠%من اراضي الضفة ،وتعاون أمني يصل لمرتبة المقدس ، وغزة تركت لتحقيق حلم اسحق رابين فيها أن أصحو واجد أن البحر وقد ابتلعها ،وها هي محاصرة مجاعة منكوبة محاصرة.
اليوم المطلوب منها الركوع ورفع الراية البيضاء والعودة لحضن الشرعية ؟!
البناء يبدأ من النهايات والفواجع وليس من تجميل المشهد وإضفاء القداسة على الركام الحاصل.
نقاط يمكن تساهم في عملية البناء:
- اقرار ميثاق شرف وطني ان المحطات التي مرت كانت اجتهادا ووصلنا الى نفق مظلم وفي امس الحاجة لاستعادة الوحدة مهما خسرنا لأنها هي من تجلب المربح.
-تشكيل حكومة انقاذ وطني من كل القوى والفصائل الممثلة والغير وشخصيات اعتبارية ومجتمع مدني لتعد لانتخاب مجلس وطني جديد من الكفاءات الوطنية الشابة، وانتخاب مجلس حكماء استشاري بالتوازى.
- الاعلان عن البراءة من اتفاق اوسلو وافرازاته.
- منظمة التحرير بميثاقها وموادها لا تحتاج اضافات فقط اعادة العمل به.


التعليقات : 0