التهافت الخليجي لاسترضاء "إسرائيل"...  حماد صبح

التهافت الخليجي لاسترضاء
أقلام وآراء

 بقلم : حماد صبح

ساعة بعد ساعة، ولا أقول يوما بعد يوم ، تتعرى َوهَانة الكيانات الخليجية بما فيها أكبرها ، وهو السعودية . وهانة هذه الكيانات لم تكن مَرةً محل شك ؛ فهي مثلما وصفها الراحل محمد حسنين هيكل قبائل تتخفى في أزياء دول . وليس من شأن الثقافة القبلية أن تصنع دولة لعجزها أصلا عن صناعة مجتمع متماسك يصنع بدوره الدولة التي تفعل موارده الطبيعية والبشرية لخلق ذات وطنية قوية قادرة على مغالبة المشكلات داخلية كانت أو خارجية . وهانة الكيانات الخليجية جعلتها دائما في حماية القوى الغربية التي أنشأتها وفق مصالحها، وهي بريطانيا متبوعة بعد ذلك بأميركا . واستنامت تلك الكيانات إلى تلك الحماية في ظل ثراء واسع خلقه النفط ، أمَن رضا مواطنيها عن حكامها، فلم يقلق هؤلاء المواطنين حرمانُهم من المشاركة السياسية في إدارة شئون بلادهم، ولا النقص الهائل في حرية التفكير والتعبير حتى ليسجن في تلك الكيانات كاتب ما سنواتٍ لرأي عادي تحسبه الحكومة مخالفا لرأيها في قضية من القضايا، ويحرم من الكتابة.

 

وقائعُ ما زعم وهما وبطلانا الربيع العربي، وثورةُ الإعلام الشعبي التي أباحت لمواطني تلك الكيانات إظهار آرائهم في أحوال بلادهم وأشخاص حكامهم، والمشكلاتُ الاقتصادية التي أنجمها الانخفاض الكبير لسعر النفط، والأثقال المالية التي نكبت بها السعودية في جريمة عدوانها على اليمن والمقدرة ب 6 مليارات دولار شهريا، وعاصفة الخلاف بين السعودية والإمارات والبحرين وبين قطر ؛ كل ما سبق أزاح آخر ورقة ساترة لوهانة هذه الكيانات.

 

والعاصفة القطرية، وما من شك في كونها صناعة أميركية، ما صنعت إلا لتفعل مفاعيلها القاتلة في الكيانات الخليجية أجمعها ، ولتردفها إلى الجمهوريات العربية التي زلزلها إعصار الربيع المزيف.

ولأن الكيانات الخليجية واهنة في ذاتها ، ومتكلة كاملا على حماية منشئها الاستعماري الغربي ؛ هزها الرعب في سرعة البرق حين بدا من أميركا ما يوحي بالميل للتخلي عنها ، بل معاقبة بعضها مثلما حدث للسعودية بإصدار قانون جاستا ، ومثلما يحدث الآن لقطر.

 

وفي هزة الرعب تلك اندفعت هذه الكيانات ، كل بطريقته ، لشراء مواصلة الحماية الأميركية ، فكانت صفقة ال460 مليار دولار السعودية  ، وصفقة طائرات ف 15 القطرية ذات ال20 مليار دولار مع أميركا ترامب.  وتتسع مفاعيل هزة الرعب في الكيانات الخليجية ، فتدفعها لاسترضاء إسرائيل طمعا في استجلاب رضا أميركا ، وطمعا في الحماية الإسرائيلية المباشرة مما تسميه بعض هذه الدول خاصة السعودية والبحرين والإمارات "الخطر الإيراني"، إضافة إلى الأخطار الداخلية التي نبه أوباما السعودية إلى كونها الأخطار الحقيقية، فتلاحقت الاتهامات الخليجية وفي طليعتها السعودية للمقاومة الفلسطينية بالإرهاب ، ومن يقترب من "إسرائيل" مسترضيا لها يبتعد عن الفلسطينيين مسخطا لهم .

 

وأبدت تعليلات عجيبة في ضحالتها للانفتاح الخليجي على إسرائيل والتطبيع المكشوف معها ، مضافة إلى الخطر الإيراني ، مثل القول إن إسرائيل محبة للسلام ، وإنها لم تسىء مرة إلى أي دولة خليجية ، ومثل حاجة السعودية إلى التكنولوجيا الإسرائيلية في مشاريع المياه ! واقترح بعض المسئولين الخليجيين حلولا للقضية الفلسطينية قفز أحدثها إلى قمة البهلوانية العبثية ، والسفه الفاضح . في حديث مع صحيفة " الشرق الأوسط " السعودية عرض ولي عهد البحرين سلمان بن حمد أن تبني بلاده  الفقيرة المخنوقة بالمشاكل السياسية جزيرة صناعية في  بحر ما أو محيط ما لتهجير الفلسطينيين إليها ، وعرى جهله الواسع ، فزعم أن لليهود حقا إلهيا في فلسطين !  خلاصتان كبريان جليتان يجب أن يعرفهما المتهافتون الخليجيون لاسترضاء إسرائيل :

 

الأولى : لو اتحدوا في كيان واحد مع إسرائيل فلن يحرف اتحادهم إصرار الفلسطينيين  ملليمترا واحدا عن تحرير أرضهم بدمهم وصبرهم ودم وصبر شرفاء الأمة العربية والإسلامية بمن فيهم الشرفاء من أبناء الكيانات الخليجية ، ولكل أمر مستقر ، وللحق مستقره ، وللباطل مستقره ،ومستقر الحق الفلسطيني وأنصاره الانتصار والازدهار ، ومستقر الباطل الصهيوني وأنصاره الاندحار والبوار .

 

الثانية : لن يجلب لهم  استرضاؤهم لإسرائيل أي حماية حقيقية دائمة ، ولإسرائيل أطماع  معروفة مسكوت عنها الآن في شمال السعودية ، وهناك خريطة إسرائيلية يظهر فيها شمال السعودية جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة . الحماية الإسرائيلية لن تكون ذرة صغيرة من الحماية الأميركية المسرعة في التضاؤل للكيانات الخليجية، والمسرع ثمنها في الارتفاع رغم تضاؤلها،  وحال قطر مع علقم هذه الحماية عبرة كبيرة صارخة بالتحذير والنذير لمن يحب الاعتبار . ومن آخر جرعات هذا العلقم السام ما قاله ترامب في أحدث اتصال له مع الملك سلمان بأن هناك عشرات الدول ترحب باتخاذ أميركا أراضيها قاعدة بديلة لقاعدة العيديد في قطر  إن رفضت قطر بقاءها في أرضها ، وهو الموقف المستبعد جدا ، ومن هذه الدول  بداهة السعودية ، وهو يعرض القاعدة في مزاد يفوز به من يدفع أكثر لوجودها في أرضه موضحا أن زمن القواعد الأميركية المجانية وربما المدفوعة الثمن أميركيا انقضى بلا رجوع .

 

كلام ترامب للملك سلمان ينذر باقتراب علقم الحماية الأميركية السام من معدة قطر حتى لى استبقت في أرضها قاعدة العيديد بالثمن الذي يريده ، وسيضرب سم هذا العلقم تاليا كل المحتمين بأميركا من الكيانات الخليجية وسواها من الكيانات العربية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق