تيسير الغوطي
كثيرة هي المبادرات والمشاريع التي تطرح هنا وهناك لإيجاد حل للقضية الفلسطينية باعتبارها المدخل الأهم للاستقرار في الشرق الأوسط ، وكثيرة هي الأهداف التي يرنو إليها أصحاب تلك المبادرات والمشاريع لتحقيق مصالحهم وأطماعهم ورغباتهم ، ورغم أن معظم – إن لم يكن كل – أصحاب تلك المبادرات والمشاريع يظهر تباكيه على الأوضاع الفلسطينية الصعبة وحرصه على أن ينال الفلسطينيون حقوقهم ، إلا أن الحقيقة وأهدافهم الحقيقية من وراء ذلك تفضح ادعاءاتهم بالحرص على القضية الفلسطينية ، وتؤكد في الوقت نفسه أن طرح هذه المبادرات والمشاريع والاتفاقيات والتحالفات إنما لتحقيق مصالحهم الشخصية ورغباتهم المادية وتطلعاتهم السلطوية خلف القضية الأهم في التاريخ الإسلامي الحديث .
تدرك معظم القيادات والزعامات العربية – للأسف الشديد – أن بقاءها في السلطة والحكم مرهون برضا حكومة الشيطان الأكبر في البيت الأبيض الأمريكي عنها وعن سياساتها ، وليس برضا أبناء شعوبهم العامل الأهم والأدوم لاستمرار واستقرار الحكومات السياسية ، وتظن تلك القيادات والزعامات أن البوابة الأهم للوصول إلى رضا الشيطان الأكبر هى رضا واستقرار ربيبته دولة الكيان الصهيوني في القلب من الأمة الإسلامية ومقدساتها ، لذا نرى اليوم تسابقاً محموماً في المنطقة العربية نحو الكيان الصهيوني والاعتراف به والتطبيع معه تحت شعارات ومسميات مختلفة السرية منها والعلنية ، يبدو في ظاهرها التباكي على المصالح والحقوق الفلسطينية ، وفي حقيقتها تحقيق للمصالح الصهيونية الاستكبارية والتي عجز عن تحقيقها طوال عقود الصراع والممتدة منذ وعد بلفور المشئوم وحتى اليوم ، رغم ما استخدمه الكيان الصهيوني من أدوات القتل والتدمير ، وما حققه من انتصارات عسكرية على الجيوش العربية ، ذلك أن هذه المبادرات والمشاريع وإن كانت تحوي بعض البنود التي تستجيب لبعض التطلعات والحقوق الفلسطينية ، فإنها تحوي بنوداً تحقق تطلعات وأهداف الكيان الصهيوني بما ينسف البنود التي تميل لصالح الفلسطينيين ، خاصة عندما يغرق الجميع في تفاصيل وشروحات البنود التي تحقق المصالح الصهيونية ، وفي ظل استعداد عربي بما في ذلك الفلسطيني الرسمي للتراجع خطوة بل وخطوات لصالح الكيان الصهيوني .
فالمبادرة العربية للسلام والتي تبنتها القمم العربية المختلفة منذ أول عرض لها في قمة فاس بالمغرب 1982 فهي وإن كانت تطالب في بعض بنودها بدولة فلسطينية على حدود 1967 التي تمثل أقل من 20% من مساحة فلسطين التاريخية وبعودة اللاجئين الفلسطينيين ، فإنها تقدم اعترافاً عربياً بالكيان الصهيوني لأكثر من 80% من أرض فلسطين ومقدساتها ، وتفتح أبواب العواصم العربية أمام التمدد السرطاني الصهيوني الاقتصادي والسياسي والأمني والاستخباري على حد سواء ، ناهيك أن التجربة تؤكد التراجع العربي عن مطالبه بتقدم الوقت .
وفي مقابل المبادرة العربية طرح الكيان الصهيوني مبادرته الخاصة ، والتي تستجيب لكل أهدافه وتطلعاته ورغباته في بعض الجمل والعبارات الفضفاضة والتي تحتمل أكثر من تفسير يبدو في معظمها أنها استجابة وتحقيق لبعض المطالب والتطلعات الفلسطينية ، ففي الوقت الذي تتحدث فيه عن كيان فلسطيني مزدهر تقيده بالتزامات دولية وتشكيل اتحاد كونفدرالي مع مصر والأردن ، ناهيك عن عدم تحديد حدوده ومساحته الجغرافية ، وتهمل جميع الحقوق والتطلعات الفلسطينية الأخرى ، فإن المبادرة الصهيونية تحقق كل المطالب الصهيونية اليمينية الأكثر تطرفاً ، فهي تطالب العرب بالاعتراف بدولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي وعاصمتها القدس ، وفرض السيادة الإسرائيلية على جزء كبير من أراضي الضفة الغربية ، وتجنيس اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية التي يقيمون فيها ، وحل حزب الله ، ومحاربة نفوذ إيران في المنطقة ، والاعتراف بالسيادة الصهيونية على هضبة الجولان السورية . ورغم ذلك فإننا نرى من العرب مَنْ يحاول التسويق للمبادرة الصهيونية باعتبارها لا تختلف عن المبادرة العربية إلا بشيءِ قليل ، كما يقول الدكتور أنور عشقي اللواء السابق في الجيش السعودي في لقاء مع موقع دوتشة فيليه العربي حيث يقول «.... طرح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مبادرة أيضاً وهى مختلفة عن المبادرة العربية بشيء قليل « ، والأخطر من ذلك أن العرب يحاولون تبرير مواقفهم الجديدة من الكيان الصهيوني بالموقف الفلسطيني الرسمي الذي لا يُعرف عنه سوى التنازل تلو التنازل لصالح الأجندة الصهيونية ، وربما – كما يرى البعض – أنه مدفوع نحو ذلك التنازل بالضغط العربي الرسمي من وراء الكواليس حيث يضيف اللواء عشقي في ذات المقابلة عن المبادرة الصهيونية « فإذا وافق عليها الإخوة الفلسطينيون فأنا على يقين بأن المملكة لا تعترض على ذلك « .
وفي ذات السياق يأتي التقارب أو التحالف أو الاتفاق أو ما شئت من التسميات بين حماس السلطة القائمة وتيار محمد دحلان القيادي الفتحاوي برعاية مصرية وضمانات مصرية بل ومشاركة مصرية ، هذا التقارب الذي تتراوح التكهنات بنتائجه على الأرض ما بين أن يكون بداية الطريق نحو دولة غزة كنهاية لمسيرة النضال الفلسطيني بعد الاتفاق على تقاسم وظيفي بين حماس وتيار دحلان للسلطة في دولة غزة المستقبلية ، حيث يبقى الشأن الداخلي في غزة بيد حماس مقابل أن يكون دور سياسي لدحلان في العلاقات السياسية الخارجية ، وربما أكثر من ذلك كما يقول المحلل الصهيوني المختص في الشئون الفلسطينية تسفي برنيل في هآرتس 276/2017م حيث يقول :«يجري كما يبدو طبخ اتفاق متشعب يتعرج بين الإمارات المتحدة ومصر وغزة والقدس ، ويهدف هذا الاتفاق إلى تعيين محمد دحلان رئيساً لحكومة موحدة في غزة ورفع غالبية الحصار عن القطاع « ، أو تقزيمه لأن يكون مجرد السماح لأعضاء منتخبين في المجلس التشريعي لتقديم مساعدات للفقراء والمحتاجين في قطاع غزة كما جاء على لسان الدكتور محمود الزهار في مقابلة له على قناة مساء الثلاثاء بي سي البريطانية 4/7/2017م. أياً كانت المبادرات أو الاتفاقيات العلنية منها أو السرية ، وبغض النظر عن التكهنات والتوقعات لها ولنتائجها على الأرض ، فإن على الجميع ممن يشاركون في صياغتها أو يتأملون في تحقيق مطامعهم ومصالحهم حال تطبيقها على الأرض ، عليهم جميعاً أن يدركوا أن مستقبل فلسطين والقضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني لن يحسم القرار فيه إلا الشعب الفلسطيني نفسه, والذي سيسقط كل اتفاق أو مبادرة أو مشروع لا يلبي حقوقه وتطلعاته حتى وإن وافقت عليه وسارت في دربه الحكومات والزعامات الحاكمة هنا وهناك على امتداد الوطن العربي والإسلامي, والتاريخ أكبر شاهد وأصدق دليل على ذلك.


التعليقات : 0