بقلم الأسير/ عز الدين الفارس
لقد كانت أحلام وطموحات وتطلعات الشهيد سامي أبو دياك ووالدته وذويه، أبسط مما نظن ونعتقد، وأبسط مما يصبو إليه أي احد في هذا الكوكب، ووالدته لم تتمن أمنيات حالمة ولم تعدُ نفسها بوعود كبيرة، ولم تطلب مطالب ضخمة وعظيمة يصعب تحقيقها، كان بالإمكان لو أن أحداً من مسؤولي الشعب الفلسطيني، ممن يُنسق مع دولة الكيان، أن يبذل جزءا بسيطا من وقته وجهده، لصالح الإفراج عن سامي، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في حضن والدته، أو على الأقل رفع معنويات عائلات الأسرى، أن احداً يقف مع أبنائهم في السجون، ولم يكن ذلك بالصعب أمام الخدمات المجانية للجانب الصهيوني تحت مسمى التنسيق الأمني، وذلك بمنطق أصحاب المدافعين عن هذا المنطق، على أنه يخدم مصلحة الشعب الفلسطيني، ولا نبرئ الفصائل جميعها من التقصير دون استثناء، كلاً على مستوى موقعه ودوره في المساعدة الذي تقاعس في تقديم هذا الدور، للتخفيف عن أهل الأسرى وامهاتهم وعوائلهم، ولكن نسينا أن السلطة والفصائل منشغلون بالانقسام والمناصب والمواقع والتشابك الاعلامي، وهنا في هذا المجال كل يتحمل المسؤولية على قدر مسؤوليته في المشاركة، أو التسبب في هذا الواقع الأليم الذي يجثم على صدور أبناء الشعب الفلسطيني، الذي بدوره هو أيضاً مقصر في رفع الظلم عن آهات الأسرى، وذلك بسبب عدم الوقوف بالمناسبات المطلوبة للضغط على من هم بالمستوى السياسي، إضافة إلى الفصائل من أجل الوقوف وقفة جادة مع قضية الأسرى، وذلك يكون له الأثر الكبير في نفوس أهاليهم.
نقول ذلك ونحن نُعتصر ألماً لما آلت أليه الاوضاع على الساحة الفلسطينية. كان من الممكن تحقيق ما تطلبه الأم الفلسطينية الفاضلة أم سامر أبو دياك، والفرصة ممكنة ومتاحة لأنها لا تطلب المستحيل أو المعجزات، هي تريد فقط أن تحتضن أبنها ساعة من نهار أو يقظة من ليل، تحت وطأة الألم والأوجاع، قبل أن تفيض روحه الى بارئها، هي لا تريد أن تراه حراً طليقاً، ولا تريد أن تراه متزوجاً، أو أن تفرح بأبنائه، هي تريد فقط أن يقضي في حضنها وأن تلوح له، هي تريد أن تمسح على جبينه وهو يتلوى من الألم، وأن تُبلسم آلامه وتطيب معاناته، هي تريد فقط حضور لحظة الوداع أن تطبع قبلتها على وجنتيه، لا أكثر ولا أقل. هي تريد أن تواسي نفسها برؤية أصابعه تلوح لهما قبل وفاته ورحيله. اليوم وبعد خمس سنوات عجاف من المعاناة المتواصلة، وآلام المرض المؤلمة، وبعد خمس سنوات من نخر السرطان في خلايا وأنسجة سامي أبو دياك، أمام أنظار ووحشية السجان الصهيوني، وهو يتلذذ في مشاهدة هذا البطل وهو يتلوى تحت بطشه وداخل زنزانته، بعد أن زرع هذا المرض في العشرات من أجساد الأسرى الفلسطينيين، و يرحل الأسير تلو الأسير جراء هذا المرض، والكثير من الأمراض، والتي كان أخرهم سامي وقبله بسام السائح وقبله فارس بارود وقبله ميسرة أبو ..، والكثير الكثير.
مضى سامي متسامياً على جراحه، وسامياً على جموح المرض في عقولهم وضمائرهم، سامياً على العجزة والمعوقين في الفعل والعمل في ملجأ العجزة للساحة الفلسطينية، واليوم تتجرع أم سامر أبو دياك المرارة، وتُعلن عن عجزنا وقصورنا وضياعنا في صحراء التيه واللا فعل، واللا تأثير واللا جدوى. اليوم يمضي سامي ابو دياك ولربما ينتظر الأخ معتصم رداد نفس المصير المحتوم والمقدر لا قدر الله تعالى، ونحن نراقب تهادي وسقوط شهدائنا في مدفن سجن الرملة، وفي جميع باستيلات وزنازين العدو الصهيوني واحداً في إثر الآخر، ومريضاً وراء مريض، ونحن لا نستطيع سوى العد 220- 221 -222 شهيد، وتجهيز المنصات والخطابات والكلمات، حتى أننا تناسينا أن هؤلاء الشهداء ما زالوا داخل ثلاجات الموتى لدى العدو الصهيوني، الذي لم يرتوي من معاناتهم وهم أحياء، ويريد أن يزداد في إجرامه بحق أهلهم وهم شهداء.
اليوم هل يقف معتصم رداد على الدور؟، وهل نستطيع انقاذه من هذا الانتظار المخيف؟، وهل نستطيع مغادرة مريضنا السجن؟، واليوم تتفاقم المشكلة أكثر فأكثر، ويصبح لأم سامي ناهيك عن عوائل شهداء الحركة الأسيرة الأخرين، إضافة إلى من يستشهدوا على حواجز الموت حواجز الإجرام الصهيوني، أمنيات من نوع آخر وطعم آخر، هي أمنية تسليم الجثمان.
إن المطالبة بالجثامين إن لم تشكل هماً وطنياً أنياً، يجب التحرك على صعيدها بلا تأخير، وبلا تردد وبلا تفرقة وبلا توان ولا تلكؤ، وألا فإننا سوف نجني لعنات أمهات الشهداء، ولعنات أبناء شعبنا، ولعنات الأجيال القادمة، على هذا التفريط بالإنسان الفلسطيني. لك الله يا معتصم رداد وأنت تستشعر أنك الأن المرشح للوقوف على الدور، لك الله يا سامر شقيق سامي كيف تلقيت الخبر، لك الله يا أم سامر و يا والده، لكم الله أيها المرضى من أبناء الحركة الأسيرة، لكم الله أسرانا البواسل داخل سجون وزنازين وباستيلات العدو الصهيوني، ولعن الله إجرام بني صهيون، ولعن الله شهيتهم للدم ولمعاناتنا ، ولكّم هم ساديون مجرمون.
في ذات السياق، تواردت أنباء عن وصول جثمان الشهيد سامي أبو دياك إلى الأردن، وقد قال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين السفير ضيف الله الفايز، إن جثمان المرحوم سامي أبو دياك وصل مساء الخميس عبر جسر الملك حسين لدفنه في المملكة بناء على طلب ذويه.
وأوضح الفايز أن تسليم الجثمان جاء بعد متابعة حثيثة من الوزارة مع سلطات الاحتلال. ولنا كلمة أخيرة لأبناء شعبنا الفلسطيني ومسؤوليه. أما آن الوقت أن تتوحدوا على إنقاذ ما يُمكن إنقاذه من الأسرى الذين يستشهدون الواحد تلو الاخر، والذين ينهش المرض المئات منهم بفعل التجارب الطبية التي يُجربها هذا الكيان السادي. وأخيرا لكم منا وردة وسلام، وإن لم نلتق في هذه الدنيا، لنا لقاء في جنان الرحمن إن شاء الله. ورحم الله الشهيد سامي أبو دياك وجميع الشهداء.


التعليقات : 0