قرار القدس.. وانتهاك الدستور أمام القاضي الأمريكي.. د. عبدالله الأشعل

قرار القدس.. وانتهاك الدستور أمام القاضي الأمريكي.. د. عبدالله الأشعل
أقلام وآراء

د. عبدالله الأشعل

ننتظر منذ عامين صدور وثيقة رسمية تشتمل على صفقة القرن حتى تكون دليلا ماديا وقانونيا أمام القاضي الأمريكي, ولكن واشنطن اختارت أن تطبق صفقة القرن بالقطعة  piecemealوأبرزها ثلاثة وهي: قرارات ترامب حول القدس والجولان والمستوطنات وهي موضوع الدعوى المطلوب رفعها لتحدي قرارات ترامب.

 

 وقد نص الدستور الأمريكي على نظرية وحدة القانون الدولي والداخلي فالقانون الدولي يسري مباشرة على الأراضي الأمريكية دون حاجة إلى إجراء تشريعي, ولكن القاضي الأمريكي يميز بين المبادئ العامة في القانون الدولي وبين المعاهدات التي ترتبط بها الحكومة الأمريكية, وأن نظرية أعمال السيادة ليس لها حيز كبير في القضاء الأمريكي . ذلك أن العلاقة بين الرئيس وبين الكونجرس في الارتباط بالمعاهدات الدولية تقطع بالانسجام بينهما وبالتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في ابرام المعاهدات. وقد جرت العادة على أن قبول الحكومة الأمريكية لقرارات الأمم المتحدة تشترط أن هذه القرارات لا تصادم الدستور أو الميثاق فماذا يكون موقف القاضي الأمريكي إذا عرضت صفقة القرن عليه كوثيقة رسمية؟

 

إذا حللنا صفقة القرن إلى عناصر قانونية اتضح لنا أن النقاط الآتية يمكن أن تشكل دعوى كاملة كما تظهر سلوك الحكومة الأمريكية الداعي إلى التحلل من القانون الدولي وإشاعة الفوضى في العلاقات الدولية إكراما لإسرائيل التي زرعت في المنطقة بالخديعة والقوة والدعم الأمريكي والغربى اللا محدود.

فصفقة القرن تتضمن النقاط القانونية الآتية :

 

أولاً: عدم الاعتراف بقرارات الجمعية العامة الخاصة بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود وتلك المتعلقة بحق عودة الفلسطينيين إلى وطنهم وبيوتهم .

 

ثانياً: عدم الاعتراف بمجموعة قرارات مجلس الأمن التي تشكل المركز القانونى لمدينة القدس وكذلك قرار التقسيم الذى وضع اللبنة الأولى في المركز القانوني للقدس .

 

ثالثاً: عدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة جنبا إلى جنب مع إسرائيل بما يناقض اتفاق اوسلو وقرارات الأمم المتحدة والدبلوماسية الدولية التي تتحدث عن حل الدولتين في فلسطين .

 

رابعاً: عدم الاعتراف بحقوق اللاجئين الفلسطينيين والذين نشأت من أجلهم وكالة الأونروا فإذا كان المجتمع الدولي يدرك حقيقة المشروع وعزمه على التدرج في اغتصاب فلسطين لكان القرار تعمية وتدليسا على الفلسطينيين.

 

خامساً: انتهاك اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة ابادة الجنس وصفقة القرن هي وصفة مثالية لإبادة الشعب الفلسطيني .

 

سادساً: انتهاك قرار محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العازل عام 2004 والذى تجاهله المجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة حول الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة ومنها مدينة القدس الشرقية.

 

فهل يستطيع القاضي الأمريكي أن يحكم في هذه القضية بأن حكومته انتهكت أحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ونقلت الفلسطينيين من أرضهم إلى أرض أجنبية لا يوافق أهلها على انتهاك حرماتهم في مصر والأردن والدول الأخرى التي تواتر ذكرها في المعلومات الأولية عن صفقة القرن وهل يجرؤ القاضي الأمريكي على أن يعتبر صفقة القرن بهذه الصفة انتهاكا للدستور الأمريكي وبأن الرئيس ترامب ارتكب بذلك جريمة الخيانة العظمى ؟ وهل يجرؤ القاضي الأمريكي على أن يبطل قرارات الكونجرس بصفته المحكمة العليا الدستورية في الولايات المتحدة وخاصة القراران الصادران حول القدس باعتبارها عاصمة ابدية لإسرائيل عامي 1995 و2002؟

 

واتصالا بذلك هل يجرؤ القاضي الأمريكي على أن يجرم الغزو الأمريكي البريطاني للعراق وما أحدثه من دمار وتقسيم للعراق وهل يفند المبررات التي ثبت كذبها باعتراف رسمي أمريكي وبريطانى والتي ساقها الرئيس بوش في الولايات المتحدة وتونى بلير في بريطانيا لغزو العراق وهل يستطيع القاضي الأمريكي أن يحكم بأن قرار مجلس الأمن الذى خول بريطانيا والولايات المتحدة الحق في نهب موارد العراق عبر صندوق تجمع فيه موارد العراق وتنصيب الدولتين وصية على العراق فتدفع ديونه وتحصل حقوقه كما حدث في قرار مجلس الأمن الصادر عقب الغزو والذى خلا من أي ادانة  لهذا العمل العدواني والجريمة المنكرة ؟

 

اعتقد أن مثل هذه الدعوى اختبار للقضاء الأمريكي ومدى استقلاله عن الحكومة والكونجرس وإذا حكم القضاء الأمريكي بأن الادارة والكونجرس تحالفا على انتهاك القانون الدولي فإن ذلك يشكل سابقة هامة تظهر أن استقلال القضاء هو حجر الزاوية في ضبط سلوك الحكومات الديمقراطية وركيزة للسلم والأمن الدوليين.

 

وقد يقول قائل وماذا تستفيد فلسطين إذا حكم القضاء لصالح القانون الدولي؟

 

الحق أن مثل هذا الحكم سوف يكون قرينة قاطعة على السلوك الهدام للحكومة الأمريكية في القانون الدولي وقد يكون مقدمة لاستعادة سلطة القانون الدولي وهيبته, كما قد يكون مبرراً اخلاقيا لتجريد الولايات المتحدة من ميزة الفيتو الذي صار يستخدم للإساءة إلى القانون والسلم الدولي عكس ما كان قد تقرر من أجله.

 

هذه المعركة القانونية هي جزء من معركة شاملة تجاورها معارك دبلوماسية أهلية وسياسية وإعلامية وتعليمية لتثبيت الحقائق حول القضية الفلسطينية وإسرائيل, ثم الدفاع عن هذه الحقائق, ونقطة البداية في هذا الموضوع هو اشاعة الوعي لدى الشعوب العربية ثم شعوب العالم بهذه الحقائق, وبأن شعبا بأكمله تريد واشنطن أن تدخله إلى متحف التاريخ, وأن تعيد تشكيل الشرق الأوسط بإسرائيل بديلا عن فلسطين, ولا يجب أن نتوقف لحظة واحدة ونضيع مزيدا من الوقت والجهد في الجدل حول مواقف الحكام العرب الذين ثبت أن معظمهم يميل مع صفقة القرن, وبعضهم تنهض عليه صفقة القرن, وأن هذا السلوك ناجم عن فقدان هؤلاء الحكام للشرعية الشعبية في بلادهم, وأصبحوا يستمدون شعبيتهم من واشنطن وإسرائيل, وهذا يظهر بجلاء أن الديمقراطية في المنطقة العربية هي الشرط الأساسي للتقدم والسلام واحترام القانون الدولي, ولابد أن تقتنع الشعوب الغربية بأن هذه الحقيقة تخدم مصالح هذه الدول, كما تستجيب للنزعات الاخلاقية التي استقرت عند هذه الشعوب, فقد مضى الزمن الذي تتواطأ الحكومات الغربية مع الحكام العرب ضد الشعوب العربية, دون أن تدري شعوبها بهذا السلوك الخطير والتدليس الظاهر والخيانة الواضحة للنظم الديمقراطية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق