جميل عبد النبي
لا يوجد لأي فلسطيني أي مصلحة في افتعال أي خصومة مع أي طرف عربي، وتحديدا مصر، بغض النظر عن التوافق أو عدم التوافق مع شكل النظام القائم هناك.
نظريا: هذه القاعدة يرددها الجميع، ويقر بها الحميع.
عمليا تورطت بعض الجهات الفلسطينية في أكثر من جبهة عربية،ليس دائما بالسلاح، أحيانا فقط بمجرد موقف، أو تأييد لجهة دون جهة، ما رتب تبعات غير محمودة على الوجود الفلسطيني في تلك الجبهات.
المعادلة الفلسطينية كان يجب أن تكون واضحة وليست بحاجة إلى تدليل بين الحين والآخر، فنحن شعب تحت الاحتلال، وهو لا يستطيع منفردا أن يواجه عدوا بحجم إسرائيل، ليس فقط في الميدان العسكري، وإنما أيضا في الميدان السياسي، وحتى التفاوضي منه، حيث إسرائيل دولة قوية عسكريا، ربما بما يفوق مجموعة من الدول، وأيضا قوية بحلفائها الأقوياء الذين يتحكمون في معظم جوانب الحياة الإنسانية على كوكب الأرض.
مواجهة عدو بهذا الحجم- يمتلك كل هذه القوة، وله من الحلفاء من هم قادرون على تحريك طاقات هائلة لحمايته والدفاع عنه، وأيضا يمارس احتلالا إحلاليا، لا يشبه ما عرفه العالم من أشكال الاستعمار المعهودة- لا يقوى عليه شعب أعزل هو بالكاد قادر على مجرد الحياة فيما تبقى له من أرض في وطنه التاريخي، وأظن أننا جميعا نعرف هذه الحقيقة، فنحن بدون محيطنا وعمقنا العربي ضعفاء وسنظل ضعفاء، والبديهي المتوقع أن نسعى للاستقواء بالعرب، سواء لمجرد القدرة على الحياة والبقاء في الأرض، أو لمواجهة الوجود الصهيوني على أرضنا المحتلة، أملا في إزالته واستعادة ارضنا.
وفقا لهذه المعادلة الحساسة فإن على الفلسطيني أن يحافظ ولو على الحد الأدنى من خيوط التواصل مع كل الدول العربية دون استثناء، حتى تلك الدول التي تبدي ليونة او مواقف لا تنسجم كثيرا مع ما نراه مناسبا كفلسطينيين، حيث ليس بمقدورنا تحمل تبعات خصومات جديدة يمكنها أن تساهم في خنق الوجود الفلسطيني خاصة في الشتات، وربما من المهم التذكير هنا بتبعات بعض القرارات غير المحسوبة بدقة، وكيف ساهمت في التضييق على الوجود الفلسطيني والفاعلية الفلسطينية في الشتات. وبعيدا طبعا عن التفاصيل التي يضيق بها المقام هنا، فيمكن التذكير بصدامات أيلول الأسود، وبأحداث لبنان وبموقف الزعيم الراحل ياسر عرفات من غزو صدام حسين للكويت، وأخيرا بمواقف حركة حماس من احداث 30 يونيو في مصر.
ما سبق لا يعني أننا كفلسطينيين كنا دائما نجانب الصواب، ولا ان نقف دائما موقف المتفرج على قضايا شعوب ننتظر منها أن تساندنا في ازمتنا، وإنما مجرد الالتفات إلى واقعنا الخاص كفلسطينيين ليس لنا وطن يجمع شتاتنا، وشعبنا ممزق في معظم دول العالم، وخاصة الوطن العربي، هذا الواقع يمكن لإخواننا العرب أن يتفهموه بسهولة، ويمكنهم الا يطالبونا بمواقف تجعلنا جزءا من حالة الاستقطاب الحاد في المنطقة، هذا ناهيك عن اننا كفلسطينيين لسنا موحدين تجاه قضايا المنطقة، وإنما لكل منا حلفاؤه الذين لا يشبهون حلفاء الآخرين، ليس هناك قضية واحدة من قضايا المنطقة- سوى فلسطين- تحظى بإجماع عربي رسمي أو شعبي، واي موقف يمكننا أن نستدرج إليه في أي قضية، سوف يجد له أعداء ومخالفين نافذين لن يقبلوا به، ومن ثم سيعملون على ان ندفع ثمنه.
القضية الوحيدة التي نتفق عليها، ولو على الاقل على تحديد المعتدي والمعتدى عليه هي فلسطين، حتى لو قيل أننا أيضا لسنا متفقن- أو لم نعد متفقين- على سبل علاجها، لكننا متفقون على مفاصلها الرئيسية، هذا يعني أننا كفلسطينيين علينا أن نستفيد من هذه الميزة التي تخص طبيعة القضية الفلسطينية، بان نجعلها بوصلة للاهتمام العربي، ورمزا لوحدة اهتمامهم ووجهة نضالهم، والحلقة التي تحافظ على عدم انفراط ما تبقى من سلسلة تجمعهم.
من هذا المنطلق، فإننا نستهجن أي مغامرة يمكنها أن تمس بأي طرف عربي وخاصة مصر، التي كانت دائما قلبا للعرب وللعروبة.
ومن هذا المنطلق ايضا فإننا نرى اي مشاركة لأي فلسطيني في اي عمل ضد مصر، مساسا بالصالح الفلسطيني العام، ما بالك إن كان على غرار تلك العملية الدموية التي أودت بحياة جنود أبرياء، لا ذنب لهم سوى انهم يؤدون واجبهم الوطني في حراسة الوطن وحمايته من خطر التمزق، حيث تسعى جهات عديدة لتفتيت مصر، اولها الكيان الصهيوني الذي طالما اعتبر تفتيت مصر تفتيتا للعرب، حيث تدرك إسرائيل ان لا وجود للعرب بلا مصر، ومن ثم من المؤكد انها ستكون أسعد الناس باي عمل إرهابي يصب في هذا الاتجاه.
كعرب، وكفلسطينيين على وجه التحديد، علينا ان نساعد في حماية مصر، وفي الحفاظ عليها موحدة قوية، حتى لو كان لدينا شيء من عدم التوافق مع النظام الحاكم هناك، ففي النهاية النظام هناك عليه ان ينشغل اولا بالحفاظ على مصر موحدة، وعلينا نحن ان نساعده في هذا الهدف الذي هو مصلحة فلسطينية أيضا.
ثم من الخطر أن نساهم في توسيع الفجوة بينا وبين الشعب المصري، الذي يتصف بالطيبة والبساطة، ما يعني إمكانية تأثره بدعاية مغرضة تخلط في وعيه بين هؤلاء الشذاذ- الذين هم ليسوا صناعة فلسطينية حصرية، وإنما وباء عام ابتليت به الشعوب العربية- وبين الشعب الفلسطيني نفسه، مما يخلق حالة من القطيعة الشعبية وليس الرسمية فقط.
علينا كما اظن ان نوصل صوتنا لكل مواطن مصري، باننا نعتبر مصر وطننا الثاني، وشعب مصر ليس مجرد شعب شقيق، وإنما هم اهلنا وشعبنا، وما يمسهم يمسنا، وما يحزنهم يحزننا.


التعليقات : 0