الإسـلام هـو الاعـتـدال... الشيخ نافذ عزام

الإسـلام هـو الاعـتـدال... الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ نافذ عزام

لقد فرضت العبادات على الناس، لتقربهم أكثر من ربهم، ولتجعل الحياة أكثر يسرا وسهولة، وقد نفى الحق تبارك وتعالى أن يكون الدين مصدر شقاء للإنسان، فقال: «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى»، وقال « يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، وقال موجها خطابه للنبي صل الله عليه وسلم ومن خلاله لكل الأمة: « و نيسرك لليسرى» فكان عليه الصلاة والسلام ترجمة حقيقية لأحكام الدين وقيمة وأخلاقه كما تقول السيدة عائشة رض الله عنها « ما خير رسول الله صل الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه».

 

التيسير على الناس هو جوهر الدين، وجوهر دعوة النبي صلى  الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يكره التطرف والتشدد والتكلف، إذ دخل يوما على عائشة رض الله عنها وعندها امرأة قال: « من هذه؟ قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها، قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا  أي لا يقطع الله ثوابه عن الناس.

 

ولذلك ينصح النبي صلى  الله عليه وسلم بأن يفعل الانسان ما يطيق ليداوم عليه، ليدوم الثواب والفضل من الله، وفي الحديث الذي يقدم نماذج من الناس تفهم العبادة بشكل خاطئ مثال على  القصد من العبادة وضرورة  الاعتدال فيها، فعن أنس رضي الله عنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صل الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى  الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟  قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: « أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».

 

لقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم هذا التشدد في فهم الدين وتطبيق مبادئه بقوة وحزم، ولو أن هذا النموذج موجود في زماننا لقلنا إنها الطاعة الخالصة، ولقلنا أن من يصوم ولا يفطر زاهد وولى وقديس، ولو رأينا شخصا نذر حياته للإسلام ورفض الزواج حتى لا يشغله شيء عن دينه، لقلنا إن هذا هو عنوان التجرد والزهد والعرفان، وعندما نسمع بمن يمضي حياته صائما دون أن يفطر، فإننا حتما سنعتبره نموذجا وقدوة، لكن النبي صل الله عليه وسلم بحكمته و حزمة اعتبر تلك المظاهر التي يبالغ أصحابها في العبادة فيكلفون أنفسهم فوق طاقتها، اعتبر ذلك خروجا عن السنة ومخالفا للإسلام، بل تبرأ ممن يفعل ذلك عندما قال: « فمن رغب عن سنتي فليس مني» وواصل النبي صل اله عليه هجومه على التشديد والتطرف فقال في حديث يرويه ابن مسعود رضي الله عنه « هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون « قالها ثلاثا و المتنطعون هم المتشددون في غير موضع التشديد . ولذلك قال عليه الصلاة والسلام « إن الدين يسر، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وشيء مِنَ الدُّلْجَةِ».

 

وعن أنس رض الله عنه قال: « دخل النبي صل الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: « ما هذا الحبل؟ «  قالوا هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد». وزينب هي أم المؤمنين زوج النبي صل الله عليه وسلم وكانت تربط هذا الحبل لتمسك به إذا تعبت في الصلاة، فأمر النبي بحله ونهي أن يصلي الانسان دون أن يفقه ما يقول في الصلاة، وحتى يكون في كامل نشاطه وقوته.

 

العبرة في الإسلام لم تكن أبدا في الشكل وعدد الركعات التي يصليها أو عدد الأيام التي يصوم، العبرة في  جوهر العبادة، بعيدا عن التكلف والتشدد وتحميل النفس ما لا تطيق، يقول إن عباس رضي الله عنهما : «بينما النبي صلى  الله عليه وسلم يخطب إذا برجل قائم فسأل عنه فقالوا :  أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستطل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صل الله عليه وسلم : «مروه فليتكلم  وليستظل وليقعد وليتم صومه»، فأبو إسرائيل هذا عذب نفسه بالقيام في الشمس والصمت وعدم الكلام وعدم الاستظلال من الحر ظنا أن ذلك يقربه من الله ، ويزيده في الأجر والثواب، لكن النبي صل الله عليه وسلم نهى عن ذلك الأسلوب، الذي يهلك النفس ويرهق الجسد.

 

وفي الحديث الطويل الذي يرويه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه نموذج آخر لضرورة الاعتدال والبعد عن التكاليف، والتقليل من المشقة في أداء العبادة، فقد نهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يختم القرآن في الليلة الواحدة كما كان يفعل، ونهاه أن يصوم الدهر كله كما تعود، وكما يقول رضي الله عنه « فشددت فشد على وقال لي النبي صل الله عليه وسلم إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر»، قال: « فصرت إلى الذي قال لي النبي صل الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم».

 

الإسلام دين عظيم، يراعي نفوس الناس وقدراتهم وطاقاتهم، فلا يفرض عليهم ما يشق عليهم أداؤه، وكما ورد قال تعالى: « لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فلها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ».

هذا النموذج الحقيقي للمسلم الحق والعابد الحق.

التعليقات : 0

إضافة تعليق