معروف الطيب
لهم من اسمهم نصيب.. يحفرون في ذاكرتنا بطولاتهم، ويستعصون على عوامل النسيان.. مرغماً تستحضر قوله تعالى على لسان قوم موسى» إِنَّ فيها قوماً جبَّارين» وطبعاً بفطرتك المقاومة لا تفهم من الاسم «جبارين» ذلك الاستدعاء الوحشي للأشقياء « وخاب كلُّ جبَّارٍ عنيد» بل ذاك المعنى المليء بالقوة والإقدام. لقد رأيت أحد الأبطال الثلاثة في ساحة الأقصى ينتفض من بعد ما أثقله الرصاص المغروز في جسده، يواجههم من جديد ثم يرتقي..
عائلة جبارين هي أيقونة للثوار داخل الخط الأخضر، دشنت بفرسانها الثلاثة مرحلة جديدة للصعود، ونقلت الصراع نقلة نوعية صفعت منظومة الأمن الصهيونيَّة صفعة جعلت خد الاحتلال يلمع مثل بلاطة الكراميكا.. بل هم ماركة مسجلة للأحرار الذين يذكرون العالم من وقت لآخر أن عرب فلسطين المرابطين في الداخل منذ 48 يستحيل تهويدهم.
أذكر في مطلع الانتفاضة المباركة الأولى تلك الصعقة بالضغط العالي التي نفذها بطلان أخوان من آل اغبارية ومعهم زوج أختهم من آل جبارين نزل الثلاثة من رجال الجهاد الإسلامي في معسكر «جلعاد» بصولة مظفرة بالبلطات، فاقتحموا المعسكر وقتلوا من فيه، وصادروا سلاحهم، ولأنَّ مسلسل العز تلزمه حلقات كان أبناء عائلة جبارين على العهد ينتظرون، حتى تنضج البراعم وتزهر فرحاً على جراح المظلومين، ورعباً في قلوب المحتلين، وعندما اشتدَّ عود الصغار قاموا لحمل الأمانة على الكيفية التي يجب أن تحمل فيها، ويشرعوا الراية التي تأبى إلا أن تكون حمراء فيشدوا رحالهم حيث يحب أن تشد الرحال، امتثالا لقول النبي الكريم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فتألقوا في شد رحالهم في زمن الطيش وتسفيه الأحلام، وتزوير الوعي، وانحراف البوصلة، ففي الوقت الذي يتدفق آلاف الشبان التي امتلأت جماجمهم ركاماً وهباء، وألقت بهم كونداليزا في مفرمة الموت بلا معنى على شواطئ دجلة والفرات، وفي وقت الصمم والبكم والعمى، ينبثق أبناء جبارين كنوار الفرح، ويحلقون على براق النبي إلى بيت المقدس ممتلئين غضباً وثورة، ولقد أثمر الطلع، وربح البيع..
كالأسود الهائجة زمجروا، وانقضوا على فرائسهم لا يرون أمامهم ما يخيفهم، ولهم في الموت فلسفة فهم لا يخشونه أبداً.. هم رجال الله الذين اختارهم ليحققوا وعده، وليأتوا العدو من حيث لا يحتسب وهو الذي وعد بني إسرائيل أن يرسل عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة فجاءهم الأبطال من خلف ظهورهم بعد أنْ استغولوا في الضفة اعتقالاً وتنكيلاً، وأطبقوا على غزة حصاراً وخنقاً.. قدر الصهاينة أن يجدوا من يذكرهم باحتلالهم المرفوض وسرقاتهم للأرض والمقدسات.. وقدرنا أنْ نبقي جذوة الصراع مشتعلة؛ لأنَّ هذه الشعلة تستمد نارها المقدسة من حقنا الذي وصفه المعلم الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي «تمام الحق في مواجهة تمام الباطل».. آل جبارين ذاكرة من رصاص.. شلال من الشهداء يأبى إلا أنْ يحفر حضوره ويفرض أجندته السماوية في زمن «ترامب»، فحين يفرغ الأمراء بيت المال تحت أقدام ترامب وعائلته في (ماخور) الكراسي الموسيقية؛ تلبية لشهوة الحكم في أمة ذبحها الجوع والفقر والكوليرا، الأمراء الذين يحلفون (بالطلاق) أنهم أحط من النعاج.. يأبى آل جبارين إلا أن يفتحوا شرايينهم، ويصرخوا بالدم الملآن قداسة أن الأمة لم تمت رغم حجم الركام في الموصل ودمشق، وأن البوصلة لا يمكن لأحد أن يحرفها.. وأن الدم المقاوم المسفوك دفاعاً عن شرف الأمة، يتشابك ليصنع قوس النصر الأخير فقد ولى زمن الهزايم يا «جبارين».


التعليقات : 0