جمعة تايه
لست سوداوياً، ومهما تجبر الاحتلال بشعبنا ومارس أشكال القمع والإرهاب والاذلال؛ يظل الفلسطيني متفائلاً، ويردد أن القادم أجمل، وأن الاحتلال زائل لا محاله، مهما طال الزمن، فإن سنن التاريخ علمتنا أن الظلم لا يدوم، ولابد أن يأتي يوم ثور فيه الجماهير، ويتغير ميزان القوى وتتهيأ الظروف لصالح شعبنا المناضل، ولكن هذا مرهون بالعمل الدؤوب والكفاح المستمر والتضحيات الجسام.
إن قرار المحكمة الدولية في لاهاي بأنه يُرتكب جرائم حرب في غزة والضفة الغربية من قِبل دولة الكيان الصهيوني وجيشه ومستوطنيه... وأن الخطوة التالية ستكون فحص ودراسة الشهادات والتقارير المقدمة للقضاة من قِبل الفلسطينيين، حيث يكون من الممكن تقديم ضباط إسرائيليين للمحاكمة.
إنه قرار بالاتجاه الصحيح، وهو فعلاً خطوة متقدمة وربما تكون جريئة رغم أنها جاءت متأخرة بعد 11 عام من رفع هذه القضية لمحكمة لاهاي.
تحاول دولة الكيان الصهيوني وصحافتها تصوير الأمر وكأنه صاعقه وقعت عليهم أو أن دولتهم ستنتهي بعد أيام قليله، وهكذا هم ورغم كل الاجرام والإرهاب المبرمج والمشرعن الذي يمارسونه بحق شعبنا يحاولون أن يظهروا للعالم أنهم الضحية، وأنهم المُعتدى عليه، حيث أنهم يبحثون عن ماضيها للمدعية الافريقية التي أًدرت القرار، وقالوا أنها حكمت شخصيتها دكتاتورية في غامبيا لعدة سنوات، وفجأة خرجت علينا تعلمنا حقوق الانسان، وتدين دولة "إسرائيل" الديمقراطية ونسيت نفسها أنها ارتكبت جرائم هي الأخرى وتساءلوا لماذا لم يُحاكموا إيران، سوريا، تركيا، حزب الله، حماس، على قمعهم لشعوبهم؟؟
ولكن من جانب آخر هلا فعلاً ستُحاسب القيادات الصهيونية؟؟ أم أن القرار سيظل على الرفوف وفي ملفات القضاء هناك بعيداً عن الواقع والأرض والحقائق؟؟
وما هي الإجراءات القضائية التي يمكن أن تتخذها المحكمة الدولية ضدهم؟؟ والسجن مثلاً؟! غرامات مالية؟؟ أم منع من السفر لدول أوروبا؟؟
لقد قامت "إسرائيل" بعملية التطهير العرقي في فلسطين عام 1948م، ودمرت 532 قرية؛ ومسحتها عن وجه الأرض، وشردت 800 ألف فلسطيني، وما زالت تستخدم الأسلحة المحرمة دولياً، وترتكب المجازر وعمليات القتل والطرد والابعاد والهدم على مرأى ومسمع العالم كله، ولم نرى إلا الشجب والاستنكار ولم يتقدم أحد بخطوة عملية.
تبجحت دولة الكيان بكل جرائمها وتجسست على كل دول العالم، حتى على أمريكا واغتالت عشرات القيادات في دول أوروبا والدول العربية ولم نسمع باعتقال وسجن لو ضابط إسرائيلي واحد؟!! أو إدانة فعلياً!!
لقد علمتنا التجارب والتاريخ ومنذ مئة عام أن هؤلاء القوم لا يفهمون إلا لغة القوة ولا يحسبون حساباً للضعيف والمستجدي ولا يتنازلون لأحد، "ولا يأتون الناس نقيرا".
وكذلك المؤسسات الدولية لم تصنع لنا شيئاً، ووقد ذكر الرئيس الفلسطيني أبو مازن في أحد خطاباته: "أن هناك 94 قرار صدرت عن الأمم المتحدة ومجلس الامن والمؤسسات الدولية لصالح الشعب الفلسطيني ولم يُطبق منها قرار واحد؟؟".
فما هو السبب يا ترى أهو ضعف الشعب الفلسطيني وفصائله وأنه لا يُشكل ضغطاً وحرجاً للاحتلال وللدول الداعمة له؟؟ أم أن سبب عربدة "إسرائيل" وتبجحها وقوتها الباطشة؟؟
أم هو الفيتو الأمريكي الذي يصطف لصالح دولة الكيان في كل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن.
لست سوداوياً، ولكن أيضاً لست متفائلاً من أن محكمة لاهاي ستحاكم مجرمي الحرب الصهاينة!! للأسباب الانفة الذكر.
وهذا لا يعني أن نتنازل عن هذه الوسيلة في النضال والكفاح، فالمعركة طويلة وبحاجه لكل الجهود وكل الوسائل الدبلوماسية والسياسية والقانونية والإصرار على انتزاع حقوق شعبنا المسلوبة.
وكما أن لدينا إصراراً على أن نطرق كل أبواب المؤسسات الدولية لمحاكمة دولة الكيان وكذلك لا بد أن يرافق ذلك على الأرض الفلسطينية مقاومة شاملة تُجبر الاحتلال على التوقف عن توغله في دماء أبناء شعبنا وتحاكمه على الأرض وفي المحاكم الدولية.


التعليقات : 0