بقلم / عرفات عبدالله أبو زايد
في خِضم عزوف حركة الجهاد الاسلامي عن المشاركة في السلطة والاستفادة من منافعها كانت تُراكم عوامل القوة بالمعنى المادي في بقعة جغرافية محكومة بديناميات معقدة على المستوى المحلي والاقليمي من خلال الترويج الدائم للتصعيد ضد الاحتلال تحت عنوان « مشاغلة العدو» وفق تصريح أمينها العام الأستاذ زياد النخالة في اكتوبر الماضي, وفي ذات السياق من تراكم القوة والاعداد ومواصلة مشاغلة العدو جاءت عملية اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا في غزة ومحاولة اغتيال السيد أكرم العجوري في دمشق، حيث ضاق نتنياهو ذرعا ولم يحتمل هذه الفلسفة والطريقة التي تلتمسها الحركة في المقاومة واستنزاف الاحتلال بشكل مستمر، لذا وجد قادة الاحتلال صعوبة في تطويع تلك الحركة العصية على الاحتواء, لاسيما وأن الشهيد بهاء أبو العطا بما يمثله كقائد للمنطقة الشمالية بالذراع العسكري للحركة أخذ على عاتقه تنفيذ قرارات قيادة حركة الجهاد الإسلامي الرد على أي اعتداء على المتظاهرين السلميين في مسيرات العودة وكسر الحصار عبر اختيار الرد المناسب في اعتداءات جيش الاحتلال على المتظاهرين السلميين , وآخرها قصف مدينة أسدود المحتلة بتاريخ 10 سبتمبر 2019م أثناء وجود خطاب جماهيري لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مما شكل صدمة للجمهور «الإسرائيلي» الذي يرى زعيمه يهرب مع دوي صفارات الإنذار, وبالتالي حدوث تخبط في الجبهة الداخلية للاحتلال في ظل تهتك وضياع ما أسموها سياسة الردع أمام القائد بهاء أبو العطا الذي أصبح يشكل تهديد للأمن القومي «الإسرائيلي».
وفي السياق ذاته وبإطار التمهيد لعملية الاغتيال نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية تقريراً تحت عنوان «أخطر الشخصيات على إسرائيل: نصر الله وسليماني وأبو العطا»., وأشارت إلى أن أبو العطا هو أحد كبار المسؤولين العسكريين في قطاع غزة, حيث حدثت عملية الاغتيال الجبانة بقصف منزل عائلة الشهيد بهاء أبو العطا في مدينة غزة بالتزامن مع قصف منزل السيد أكرم العجوري في دمشق , في غزة أستشهد أبو العطا برفقة زوجته, وفي دمشق أستشهد ابن السيد العجوري ومرافقه .
قادت سرايا القدس بعد عملية الاغتيال الرد عبر ما أسمته «صيحة الفجر», لمدة يومين تم خلالها توزيع النيران بشكل مؤثر, ولعل دوافع عملية الاغتيال كانت تتمثل في اغتيال قيادات وازنة بحركة الجهاد الاسلامي (أبو العطا والعجوري) وإيصال رسالة للحركة التي يظهر دورها في رفض صفقة القرن واستمرارية مشاغلة العدو, وكذلك خشية نتنياهو انتهاء حياته السياسية, واحتمال تقديم لوائح اتهام ضده بشبهات فساد، وبالتالي محاولة استقطاب تحالف «أزرق أبيض» لتأليف حكومة وحدة وطنية.
من خلال التدقيق في الرد يتبين تنوع الرمايات والمدايات الصاروخية لسرايا القدس والمقاومة, حتى وصلت مدينة الخضيرة لأول مرة عبر صاروخ براق 120 الذي تم إدخاله للخدمة للمرة الأولى كما أعلنت سرايا القدس في حينه. مؤشرات نجاح «صيحة الفجر» وتأثيرها على الأمن القومي الاسرائيلي تمثلت في إعلان حالة الطوارئ على أكثر من نصف مساحة الأراضي المحتلة عام 48, وبالتالي توقف جهاز التعليم، و إغلاق محال تجارية، وتوقفت حركة القطارات, وإغلاق المنافذ الجوية والبحرية, و دخول الملايين إلى الملاجئ, وتثبيت قواعد اشتباك لصالح المقاومة حاول الاحتلال تغييرها من خلال العودة لسياسية الاغتيالات, وانخفاض مشتريات المستوطنين بنسبة 36%» خلال معركة «صيحة الفجر» في جميع أسواق الاحتلال, والتكلفة الباهظة للأضرار التي لحقت بالاقتصاد «الإسرائيلي» جراء جولة «صيحة الفجر» خلال يومين حيث بلغت حوالي 1.5 مليار شيكل, قيام سرايا القدس في الأوقات الأخيرة قبل دخول التهدئة حيز التنفيذ قامت بإدخال قذيفة صاروخية «استثنائية»، حملت أكثر من 300 كيلوغرام من المواد المتفجرة، والتي خلفت ضرراً كبيراً.
وضعت قيادة الجهاد الإسلامي على لسان أمينها العام زياد النخالة شروطاً تتعلق بقواعد الاشتباك وتثبيت هذه القواعد التي حاول الاحتلال تغييرها , وقد ظهرت الشروط بأنها تتمتع بالواقعية السياسية، وكان هدفها منع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وعدم جلب مواجهه واسعة قد تسبب ضرراً لشعبنا الفلسطيني الذي يعاني من ويلات الحصار والحروب السابقة, لاسيما وأن الاحتلال لم يتوان عن قصف بيوت العائلات الآمنة وقتل الأطفال والنساء مثلما حدث مع عائلة أبو ملحوس وسط قطاع غزة, وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار من طرف المقاومة والاحتلال بعد 48 ساعة من التصعيد, حيث كانت شروط المقاومة تتعلق بوقف سياسة الاغتيال ووقف استهداف رواد مسيرات العودة وتنفيذ تفاهمات المقاومة المتعلقة بالحصار عن قطاع غزة.
إن جولة التصعيد التي تلت اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا في غزة وبالتزامن مع المحاولة الفاشلة لاغتيال السيد أكرم العجوري في دمشق قد أثرت على النظرية الأمنية الإسرائيلية حيث عانت الجبهة الداخلية للاحتلال في 48 ساعة من تهديدات ومخاطر أدت إلى حالة شلل وتوقف للحياة لم يكن يتوقعه قادة الكابينت المصغر وهم يوقعون على قرار الاغتيال , وهذه الحركة التي أخذت على عاتقها الرد على الاغتيال من اللحظة الأولى كانت على يقين بأنها ستردع قادة الاحتلال عبر صمود شعبنا وعدم قبوله أن يتم تمرير هذه الجريمة دون رد, لذا أقتبس هنا ما قاله الصحفي الصهيوني «اهود حمو» : «يجب أن نتذكر أن هناك منظمة واحدة هي الجهاد الإسلامي أوقفت دولة كاملة على رجل واحدة».


التعليقات : 0