ليلة في أنصار ٣... اكرم نعيم بني عوده

ليلة في أنصار ٣... اكرم نعيم بني عوده
أقلام وآراء

اكرم نعيم بني عوده

يلتزم الاسرى في كل ليلة من ليالي الأسر بطقوس النوم منزوعة الدفء والامان مملوءة بتفكير عميق بالحرية في آخر اللحظات الحاسمة, قبل ان يرتمي الجفن على الجفن, وتغلق العين بوابة الانطلاق في رحلة يومية تبحث عن احلام الحرية، فسحة يعشقها الاسير كي يخلوا بنفسه ولو للحظات, يرتحل فيها من ألم الواقع إلى حلم صغير, قد يلتقي فيه الوالد بولده, او الابن بأمه, وقد تلتقي بفلذة كبدها في لحظات مقدسة من الحلم يفسدها علينا ذلك المحتل البغيض, ويزاحم سكون الليل بجيشه المدجج بكل أنواع الأسلحة المُثقلة بالحقد, ويقتحم علينا حلمنا.

 

 لم يكن هذا الاقتحام للقسم الذي نحن فيه, وإنما قسم آخر فيه العشرات من الاحلام التي افسدها المحتل ، تكاد تكون في جلسة عائلية بحلم وردي, وفي لحظة ترى نفسك ملقى على الأرض, مقيد اليدين والقدمين وكل الأسلحة فوق رأسك, والسبب يبحثون عن حبل سري قد يوصلك بالأهل , فهذه جريمة كبيرة لها ما لها فهو يدرك جيدا ما يفعل ، ويعمل جاهدا على ان تكون السجون مقابر للأحياء بشروط تنتهك حقوق الموتى لا الاحياء... ويفصل بيننا ذلك السلك الشائك الذي يشبه تلك الحواجز اللعينة في بلادي المحتلة, يفصل بين الأجساد لكن الأرواح ما تزال ثائرة بعزيمة وكرامة لن تهان, وما عاد يؤكل فينا أحد.

 

 دمنا لا يهان وننتفض بأجسادنا التي كسوناها بالقليل من الملابس مما انتزعه ذلك الجيش الشامخ من الاسرى بإضراباته التي تشبه رحلة الموت في عالم الاحياء, وبطعامنا الذي ما كفى جوع أسير يوما ما ، لكنها ثورة البقاء والكرامة ، وننتفض مع إخواننا بأصوات التكبير التي يخاف منها المحتل, فيرتجف السجن والسجان يحاصرنا بكل قوته, ونحاصره بإرادتنا, يطلق علينا قنابل الغاز, عندها تغازل أجسادنا الموت تختنق حتى النهاية, تبحث روحك عن نسمة هواء في ظلمة الليل الحالك, ثم تشتعل النيران بكل أرجاء القسم وفي وسط ذلك الجحيم يلتقي الغاز بالماء والنار, ويقتحموا الأبواب, ويطلقوا مزيدا من حقدهم, قنابل الموت, ورصاص قاتل يخطف المشهد.

 

 إصابات كثيرة بكل الأماكن من الجسد ، كبلوا الأيدي والاقدام وسحبونا من بين النيران على الأرض التي اختلط فيها الماء بالدم يخرجونا إلى مكان آخر سحبا على الأرض والكلاب فوق رأسك وكل جيشهم و أسلحتهم وانت بجراحك وجسدك الأعزل وضعونا في مكان زيارة الاهل الذي لم ادخله قط بسبب الحرمان لكنهم أعادوا لنا حلمنا الأول, وكأننا لن نلتقي بأحلامنا وأهلنا إلا بالألم وها نحن لا ننتظر الأهل ولكن نتفقد الجراح ومصابنا فنحن عدنا إلا نقطة الصفر بلا ملابس ولا حتى تلك الصور لأطفالنا وأهلنا كلها احترقت.

 

 حرقوا كل مذكراتنا وخطفوا منا الحلم, وجاءت الأخبار إصابات طفيفة, وهناك إصابات متوسطة, بعد قليل خبر آخر هناك إصابة خطيرة, وبعدها وبعدها تدريجيا حتى لا تثور فينا الجراح ونحن ما زلنا في دمائنا.

 

 خبر استشهاد الاخ الحبيب الأشقر... محطة قاسية من الألم وما زالت تتكرر في مقابر الاحياء.

التعليقات : 0

إضافة تعليق