بقلم : تيسير الغوطي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والصفعات الصهيوأمريكية تتوالى على الفلسطينيين وحقوقهم وقضيتهم بدءا بالاعتراف بقيام دولة الكيان الصهيوني على ارض فلسطين و تمرير هذا الاعتراف عبر الأمم المتحدة و مجلس الامن باستخدام العصا و الجزرة على عديد الدول لضمان الأصوات اللازمة لتمرير هذا الاعتراف أمميا ، و ليس انتهاءا بالصفقة الترامبية التي تهدف الي تصفية و انهاء ما تبقى من القضية الفلسطينية ،مرورا بالدعم اللامحدود للكيان الصهيوني ماديا وإعلاميا ودبلوماسيا للتغطية على جرائمه بحق الفلسطينيين ارضا و شعبا و تاريخا .
الخطة التي تتبناها الإدارة الصهيوأمريكية بواشنطن للقضية الفلسطينية ليس اكثر من خطة صهيونية صاغها اشد الصهاينة غلوا و نفيا لحقوق الفلسطينيين في ارضهم و مقدساتهم ، و تبنى تسويقها و فرضها على العالم العربي اشد الرؤساء الأمريكيين تعصبا لصالح الكيان الصهيوني ،وقد تعمدت الادارة الصهيوامريكية بواشنطن كثرة التسريبات حول محتويات وبنود الصفقة لجس نبض وقياس رد الفعل تجاهها خصوصا من قبل المحيط العربي والفلسطينيين اصحاب الشأن الاول ، وفي الوقت ذاته عملت جاهدة طوال فترة الحديث الاعلامي عنها على تنفيذ بعض البنود الاساسية على أرض الواقع لتصبح بحكم الأمر الواقع, وفي نفس الوقت مؤشرا على ردة الفعل العربي والفلسطيني على وجه الخصوص تجاه الصفقة بمجملها ، فكان الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني ونقل السفارة الامريكية إليها، وكان الاعتراف بضم الجولان للكيان الصهيوني ،وكان الاعتراف بشرعية الاستيطان على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967، وكان مؤتمر المنامة الاقتصادي للإعلان عن الشق الاقتصادي للصفقة والذي يمثل مقايضة الأرض والمقدسات بالأموال _وللاسف_العربية، الآن وبعد أن أصبح مستوى رد الفعل العربي والفلسطيني معلوماً لدى الإدارة الصهيوامريكية بواشنطن ،واقتراب الجولة الثالثة للانتخابات الصهيونية ورغبة ترامب بأن يكون الفوز فيها من نصيب شريكه بالظلم والفساد والرؤية الايدولوجية ، فإن الوقت أضحى ملائماً لطرح الخطة بكامل تفاصيلها ، فالرد الفلسطيني الرسمي لن يتجاوز الرفض والادانة والاستنكار وربما بعض المسيرات هنا وهناك لذر الرماد في العيون ،أما الرد العربي فلن يتجاوز التنديد والاستنكار العلني والاعلامي ،والقبول والمباركة في حوارات ولقاءات ما خلف الأبواب المغلقة ،والاستعداد لدفع الأموال وتحمل نفقات وتكاليف تنفيذ بنود الخطة على الأرض .
الخطة الامريكية للسلام في الشرق الأوسط هي أبعد ما تكون عن السلام أو السعي لتحقيقه فضلاً عن أن كل بنودها جاءت على مقاس وتفصيل الكيان الصهيوني وأشد قادته تطرفاً وانكاراً للحق الفلسطيني ، فقد وضعت شروطاً تعجيزية لتحقيق الحلم الفلسطيني في أدنى صوره ومستوياته المتمثل بدولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت في العام 1967، تمثلت في الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ، ونزع سلاح غزة ، والاعتراف بالقدس عاصمة الكيان الصهيوني ،وحتى هذه الدولة التي تقترحها الخطة الصهيو امريكية فهي دولة منزوعة السلاح ومقامة على 30-40% من أراضي الضفة الغربية , مع ضمان لحرية العمل العسكري الإسرائيلي في مناطقها ،مع عدم وجود أي سيطرة لهذه الدولة على الحدود.
ليس مهماً ما تتضمنه الصفعة الصهيو امريكية من بنود مجحفة بحق القضية الفلسطينية والفلسطينيين لان هذا أمر متوقع من مثل هؤلاء أعداء ألداء، لكن المهم هو ما يمكن قوله أو فعله من قبل الطرف العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً الذي سيكتوي بظلم هذه البنود والقرارات.
عربياً واسلامياً لا يمكن المراهنة على موقف الحكام والأنظمة الحاكمة ،لأنها في معظمها تعيش تحت مظلة الحماية الأمريكية ،وبالتالي لا يمكنها معارضة الرغبة الأمريكية ،وأكثر من ذلك تدل التسريبات على أن النظام العربي خاصة الخليجي هو الذي سيتحمل نفقات تلك الخطة الصهيو امريكية، وقبل ذلك سيعمل على تسويقها بالضغط والاكراه على الطرف الفلسطيني الرسمي وبعض الأنظمة المتضررة مثل الأردن، وتبقى المراهنة في هذا الاتجاه على الشعوب العربية والاسلامية وقواها الحية من أحزاب وتنظيمات ومنظمات مجتمع مدني.
أما حجر الأساس في التصدي للخطة الصهيو امريكية فهو بيد الطرف الفلسطيني ممثلاً بالشق الرسمي منه، والأحزاب والتنظيمات وقبل ذلك الشعب الفلسطيني نفسه ،فهذه الأطراف مجتمعة يمكنها التصدي وبقوة للخطة الصهيوامريكية وإفشالها إذا استطاعت أن توحد جهودها بعد تنازل المتنفذين والمنتفعين عن مصالحهم الخاصة لصالح القضية العامة ،فالسلطة الفلسطينية الرسمية عليها أولاً أن تتحلل من كل الإتفاقيات والإلتزامات مع الكيان الصهيوني وخاصة اتفاق أوسلو المشؤوم لأنه لم يلتزم بها، ولأن الخطة الأمريكية تجاوزتها جميعاً لصالح الكيان الصهيوني ، وعليها ثانياً أن ترفع يدها وتتوقف عن ملاحقة المقاومين والمجاهدين الفلسطينيين حماية لجنود الكيان الصهيوني ومستوطنيه ،وإذا كان ذلك لا يمكن إلا بحل السلطة لنفسها ،فعليها أن تفعل ذلك وبدون تأخير فهذا يحقق إضافة لما سبق المواجهة المباشرة بين الشعب الفلسطيني كشعب محتل وبين الكيان الصهيوني كقوة احتلال ظالمة وغاشمة، وهذا يؤذي الكيان الصهيوني أشد الإيذاء، وعليها قبل ذلك كله أن تحول قراراتها ومواقفها العلنية وتصريحات قادتها الاعلامية إلى واقع عملي, وألا تبقى تلك القرارات حبيسة الأدراج المكتبية, وعلى الكل الفلسطيني من سلطة رسمية وأحزاب وتنظيمات التوافق على مشروع وطني يتضمن الحقوق والثوابت الفلسطينية ويضمن حشد وتوجيه كل الطاقات والامكانات باتجاهه ، وتشكيل قيادة مشتركة تكسب ثقة الشعب وتكون قادرة على قيادته نحو أهدافه في التحرير والاستقلال ، ولكي يتحقق هذا التوافق فعليها جميعاً التخلي عن المصالح الحزبية والفئوية لصالح القضية الفلسطينية وثوابتها العامة, والشعب الفلسطيني وحقوقه في أرضه ومقدساته، وأن ينتقل الجميع من مرحلة الرفض والشجب والاستنكار و الإدانة اللفظية إلى مرحلة العمل والخطوات العملية التي تؤذي الكيان الصهيوني وتجبره على دفع ثمن جرائمه بحق الأرض والإنسان.


التعليقات : 0