عدلي صادق
مثلما فعل الثنائي المُلاحق قضائياً، عندما كان يوزع الثناء على الحاضرين من أعضاء "الفريقين"، وجميعهم من اليهود الصهيونيين المتطرفين؛ يتوجب علينا توزيع الثناء على كل من قال أو ألمح الى أن الذي عرضه ترامب ونتنياهو، ليس هو "التوصل" الى تسوية، وإنما هو المُعادل الموضوعي لتسوية هذه التسوية بالأرض، كما تُسَوّى البيوت التي يقصفها الإحتلال ويُشرّد ساكنيها!
ربما لم يكن في الشأن اليومي والآني، ما يجعل البعض مضطراً الى تحسس مخاطر الصفقة، والمجاهرة سريعاً بموقف نقدي منها، يلامس الرفض، بدوافع إحساسه بفداحة الأمر وقراءته الصائبة له. فالخطر الذي أحس به الأردن الشقيق، بحكم الجوار القريب وعوامل أخرى ديموغرافية وسياسية واجتماعية؛ هو نفسه الذي لن ينجو منه الإقليم كله، لذا كان موقف عمّان كرجع الصدى، في استشعار الخطر، على الرغم من ظروفه الاقتصادية ومن علاقاته التقليدية من الولايات المتحدة، وعلى الرغم أيضاً من ضغوط واشنطن ووعودها بالدعم المالي في محاذاة الصفقة.
صحيح أن العاهل الأردني، بثقافته وبقدرته المميزة على القراءة الصحيحة لعقلية الغرب، وقدرته على مخاطبته بكل طلاقة، جعلته أسبق الى التحسس. فهو يمثل الحالة الأولى في دول الإقليم، التي يقرأ فيها الرجل الأول كل مشهد بنفسه، ولا يتلقى قراءته عن طريق مستشارين!
ما حدث لدينا في فلسطين، أن الناس كلها تحسست الخطر قبل الإعلان عن "الصفقة" وركز الناشطون في داخل الرأي العام الفلسطيني، على العناصر المسلكية للحكم، وقالوا مبكراً إن من شأنها تشجيع الأمريكيين على تبني المشروع الليكودي الإسرائيلي. لكن الذي جرى ـ للأسف ـ هو تعميق الإنقسام بدل طي صفحته والذهاب الى توافق، والإستمرار في عملية إفقار المجتمع والتمادي في محاولات إضعافه ومفاقمة بؤسه، بدل عونِه والتخفيف من مصاعب حياته. وها هم الحاكمون الآن، يسمعون بآذانهم اللغة التي يخاطبنا بها ليكود أمريكا وليكود إسرائيل، ويعيِّروننا بمحنة شباب فلسطين وكل شعبها، ويتحدثون بمنطق الغواية، ويقولون إنهم سيعيدون الأمل للشباب ويفتحون له آفاق الحياة ويوفرون مليون فرصة عمل خلال عشر سنوات، ويضخون مالاً وينفذون مشروعات.
كانت فلسطين الموحدة، قادرة بوزنها وبقداسة قضيتها وبحيوية شعبها، وبمؤسساتها الدستورية، على إحراز مقومات الصمود، بأضعاف ما حملته الغواية الممتدة زمنياً وكذباً، لعشر سنوات. أما في غياب التوافق، ومع تعليق ثم قتل ودفن مؤسسة الرقابة والتشريع، فلم يعد لأوساط الحكم أية قيمة، واستسهل المحتلون والأمريكيون تجاوزها، مدركين عجزها عن التأثير في المحيط الإقليمي أو الدولي، وأنها لم تعد تملك القدرة الأدبية على حث الآخرين على مساندة شعب فلسطين. فكلما كانت أوساط الحكم في بلادنا، تحث طرفاً على إنصافنا، لم تكن تسمع جواباً سوى أن عليكم أن تنصغوا أنفسكم أولاً. وحتى الجهاز الديبلوماسي، فقد أصبح فضاءً لتسكين عناصر الأمن والمقربين وإعطائهم الصفات الديبلوماسية، ومنهم من لا يقرأون ولا يكتبون، حتى وصلنا الى حال إرضاء السكرتيرات بمناصب سفراء، وابتعاثهم الى دول ومناطق لا يعرفون عنها شيئاً، بينما الدول تعاين وتراقب ولا تعلق!.
اليوم استفاق الحاكمون على الكابوس، وأحسوا أنهم مُستَهدفون، وأن الدائرة ستدور عليهم. كانت هناك أمس حصة تلفزيونية، على قناة "فرانس 24" تواجهت فيها إمرأة عربية سورية تعمل مع الأمريكيين وربما مع مخابراتهم وتنطق باسم الإدارة، مع شاب فلسطيني وسيدة مغاربية يرفضان الصفقة. وطوال حصة النقاش، لم تجد المرأة الأمريكية العربية، ما تعلل به الصفقة الليكودية، سوى الهجوم على القيادات الفلسطينية التي وصفتها بـ "الفاسدة وعديمة الإحساس بشعبها" مع الإستفاضة في الحديث عن البؤس وأرقام البطالة.
ربما تكون نصوص التقريع، لا تلزمنا الآن، وإنما تلزمنا نصوص التشجيع على إنهاء الإنقسام. على الرغم من ذلك، لا تلزمنا مصالحات شكلية، ولا لقطات مكررة وسئمناها، لمنصة يجلس عليها كاذبون يتضاحكون ويقولون إنهم تصالحوا. فشعب فلسطين لا ينتظر تضاحكهم وتقمصهم حال الوداد، وعناقهم حتى لو كان مع دموع الندم. إن ما ينتظره شعب فلسطين، هو قيام الكيان الفلسطيني دون تلكؤ، ودحرجة الصخرة عن قبر المؤسسات الدستورية، واستعادة القانون، والتمكين للإرادة الشعبية، وتعزيز الورقة السياسية الفلسطينية التي مزقها الممزقون على مر أكثر من عشر سنوات!


التعليقات : 0