د. محمد مشتهى
يقول البعض؛ فليكن يوم اعلان صفقة القرن يوماً حزيناً للفلسطينيين، يا سيدي ماشي الحال، لكن أيام الحزن في التاريخ الفلسطيني ممتدة، والأهم من الحزن هو هل الاستجابة الفلسطينية كانت بنفس الحجم وبنفس التحدي أم لا؟ هذا الصراع صراع ممتد، وأمريكا لم يكن يُتوقّع منها سوى ذلك، سياسيا والمتتبع لكل المبادرات السياسية التي صاغتها أمريكا منذ 1948 حتى يومنا هذا كانت كلها أسوأ من بعض، والمبادرة التي تأتي تلعن ما قبلها، والسؤال الأهم والمطلوب أن ننشغل فيه هو كيف يمكن مقاومة هذا الهجوم على الشعب الفلسطيني؟ ومن المستغرب أن يكتشف البعض فجأة أن الإسرائيلي والأمريكي هم أعداء للشعب الفلسطيني، فأمريكا لم تكن وسيطاً بل هي متماهية مع الإسرائيلي، حتى في الحرب والمعارك دوما الأمريكي يحارب مع الإسرائيلي كما حدث في حرب أكتوبر 1973 وعملية «عشب من النيكل» وامداد الاسرائيلي ب 22225 طن من الذخيرة والمدفعية والدبابات عبر جسر جوي مفتوح خوفا من إنهيار القوات الصهيونية آنذاك، لذلك الذي يتوقع أن أمريكا ستحل له قضاياه الوطنية وتعطيه دولة هو بذلك كمن يتوقع أن يجد الابرة الضائعة في قلب المحيط.
البعض من الفلسطينيين يقول بأن الأمريكي أعلن صفقة القرن لإنقاذ نتنياهو، هذا التصريح أو هذا التحليل لو خرج من المعارضة الصهيونية يمكن قبوله كونه يأتي في سياق المنافسة الحزبية الصهيونية في الانتخابات، فهم الآن لديهم ترف في التصريحات، لكن أنت كفلسطيني مطلوب أن تتكلّم حول ضرر صفقة القرن عليك كفلسطيني وكعربي ومسلم، الفلسطيني ما مصلحته من فوز نتنياهو أو سقوطه؟، الموضوع الانتخابي موضوع داخلي صهيوني، هم ممكن يتصارعون فيه وهذا صحيح، لكن أنت كفلسطيني هل يعنيك ذلك؟! انت ما يعنيك هو حجم الضرر الواقع عليك من صفقة القرن، ومن يتكلم بهذه اللغة وكأنه يقول: الأمريكي بريء في إعلانه لصفقة القرن لأنه فقط يريد ترجيح كفة نتنياهو في الانتخابات المقبلة.
يخطئ الكثير من الفلسطينيين باعتبار أمريكا وسيط أو اعتبارها حتى على الحياد، ما جرى تاريخيا ويجري حتى اللحظة من دعم أمريكي للكيان الصهيوني يؤكد للجميع بأنها عدو للشعب الفلسطيني، وعندما يتم تصنيف أمريكا بأنها عدو مطلوب عدم محاباتها أو اعتبارها وسيطاً بل مواجهتها، تماما كما المرض عندما يتم تشخيصه مطلوب مواجهته اما بالعلاج أو بالجراحة، أو على الأقل عندما تعرف أن أمريكا كوباء كورونا مطلوب أن تأخذ الاحتياطات الوقائية منها لا أن تعتبرها هي العلاج، وهناك فرق بين العلاج والوباء، بالضبط كما يحدث عند الدول التي تصنف دولا أخرى الى أصدقاء وحلفاء والى أعداء ثم تأخذ موقفاً من الأصدقاء وموقفاً من الأعداء وموقفاً من الحلفاء، والطامة الكبرى أننا كفلسطينيين الأمور لا تزال مختلطة عندنا والمواقف متشابكة وتصنيف الدول لدينا مضروب، وعلى سبيل المثال لا يكفي أن تقول أن الدولة تلك هي عدو، بل ماذا فعلت لمواجهة هذا العدو؟ أما أن تكون تارة مع العدو وتارة أخرى ضده فهذه سياسة مشوّهة، قد يقول البعض وهل مطلوب من الفلسطيني محاربة أمريكا؟ هنا لا يُقصد بأن نحارب أمريكا بالرصاص والسكين، لكن على الأقل محاربتها في السياسة، على الأقل عدم محاباتها، بمعنى أن يتم حسم الرهان عليها.
الحركة الصهيونية منذ أن تأسست ليومنا هذا وهي لديها حليف خارجي، والدول التي تحررت من استعمارها كان لديها حليف أو حلفاء خارجيون، نحن الفلسطينيون من هم حلفاؤنا؟
هناك من يقول أن أمريكا لديها ازدواجية في المعايير، تلك لغة أقرب الى السذاجة أو البلاهة السياسية وهي أيضا لغة مضحكة، فهل يعتقد هؤلاء أن أمريكا ستُعامل حماس والجهاد أو حزب الله أو ايران كما ستُعامل «اسرائيل»؟!! قطعا لا، اذن الأصل أن تكون ازدواجية في المعايير عند كل دولة، ولا يوجد دولة تعامل كل الدول بمعيار واحد، حتى الفصائل الفلسطينية لديها ازدواجية في المعايير، حتى على مستوى الفرد والأسرة والعائلة يوجد ازدواجية في المعايير، وهذا أمر طبيعي جدا أن يكون أكثر من معيار عند الدول، حتى من يقرأ هذا المقال ليس لديه نفس المعيار بالتعامل مع الأصدقاء، هناك أصدقاء يتعامل معهم بمعيار يختلف عن أصدقاء آخرين، اذن من يراهن على أن الأمريكي بأن يصبح لديه معيار واحد، أو يُعاير الأمريكي أن لديه معيارين تجاه الفلسطيني والصهيوني هذا إنسان لا يفقه بالسياسة نهائيا، لذلك مطلوب مغادرة هذه اللغة الغير مفهومة.
نعود الى الحزن الفلسطيني، فالمحزن الحقيقي هو عدم استجابة الفلسطيني لحجم التحدي والتردد في تحالفاته والتأخر في تصنيف الأصدقاء والأعداء، فمثلاً: لا يختلف أحد على دعم ايران المالي والعسكري والسياسي للمقاومة الفلسطينية، لكن هناك تردد لدى الكثيرون باعتباره حليفاً أو صديقاً، ونجد البعض يذهب ليحمل إيران «جمايل» عند قولهم لها مرحبا أو شكرا، يحملونها «جمايل» اذا قالوا أن سليماني شهيد القدس، وتلك أبعد درجات التعاسة السياسية، ف»اسرائيل» تقول لحليفتها أمريكا خذي ما تريدين بالسياسية والأمن والاقتصاد ، وأمريكا في المقابل تقول لها لبيك « اسرائيل»، لذلك تحالفهما يسير على ما يرام، ثم يأتي البعض ليشعر بالحزن لأن أمريكا تتعامل بازدواجية في المعايير، صح النوم أيها السياسي!!
نعم ليس مطلوباً أن نتبسّم في مناسبة كمناسبة اعلان صفقة القرن، ومطلوب أن نحزن وهذا جيّد، والكتّاب يكتبون والصحافيون يتحدّثون والسياسيون يصدرون بيانات والجماهير تخرج مظاهرات، كل هذا جيد وجزء من المعركة، لكن الأهم أن نعيد تصنيف أمريكا، وفي السياسة مطلوب مغادرة كل الأوهام والرهانات الخاسرة، وهنا لا يُقصد الأوهام التي لدى السلطة فقط، بل الأوهام الموجودة في عقول البعض ممن يأملون من الاسرائيلي العطايا والهبات.
الانسان الذي يحلم أن يصبح مهندساً أو طبيباً، هناك خطوات يجب أن يفعلها كأن يجتهد ويحصل على معدل بالثانوية يؤهله لدخول الكلية ثم يجتهد وينجح بدراسته وهكذا، حتى يصبح مهندسا أو طبيبا، وان من يريد أن يحرر أرضه هناك خطوات كل العالم الذي تحرر من الاستعمار قام بها، ومن أهم تلك الخطوات هو القيام بالتحالفات وتحديد الصديق من العدو ثم ترجمة ذلك على أرض الواقع، ومن غير المقبول القول: لا أستطيع، فمن لا يضحي لأجل وطنه فهو لا يستحقه ومن لا يضحي لأجل حريته هو لا يستحقها، والتحالفات المطلوبة يحب أن تكون على المستوى الوطني وعلى مستوى الاقليم وعلى المستوى الدولي، وصفقة القرن هي فرصة لإعادة تشكيل الوضع الفلسطيني وترتيب البيت الداخلي، وان كل ما سبق بحاجة الى قيادات من طراز رفيع قادرة على العطاء في الأوقات والأماكن الصحيحة والمناسبة، وليس بحاجة الى قيادات لديها عنتريات وتتبع سياسة تحميل «الجَمَايل»، لأننا نحن الفلسطينيين أكثر الناس بحاجة الى المساعدة ولا يجوز أن نبقى منشغلين بتبرير تحالفاتنا..


التعليقات : 0