بقلم : تيسير الغوطي
بعد طول انتظار أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثلاثاء 28/1/20120 عن خطته او رؤيته للسلام في الشرق الأوسط تحت مسمى صفقة القرن كما يحب ترامب تسميتها لارتباط ذلك بتاريخه كتاجر عقارات لا يعرف إلا الصفقات, و ليس كرئيس سياسي لأكبر دولة في العالم يفترض فيه الدهاء و الحنكة السياسية . قيل الكثير عن الصفقة الترامبية ، و تبارى المحللون في الحديث عن الجوانب السلبية فيها ، و لم يتحدث احد عن الجوانب الإيجابية إلا قادة اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني و من دار في فلكهم من الزعماء و القادة من عرب و عجم، و كثرت الصفات و النعوت التي أطلقت عليها، و كل صفة أو نعت يعود لجزء من الصفقة يترجم ذلك النعت أو الصفة ، فمن صفعة القرن الي صفعة ترامب إلي صفقة الاستسلام إلي سرقة القرن إلى مظلمة العصر...الخ ، من الصفقات و النعوت السلبية التي لها ترجمة حقيقية في بنود الصفقة و سطورها المكتوبة .
غير أن هناك العديد من الصفات و الحقائق الكامنة في ثنايا و بين سطور الصفقة و صفحاتها التي زادت عن المائة و ثمانين صفحة لم تأخذ حقها في التحليل و تسليط الضوء عليها و منها :-
الصفقة ترجمة لحلم توراتي يقوم على ان أرض فلسطين هي ارض الشعب اليهودي و هي حق خالص له منذ التاريخ الغابر، و يجب ان تبقى مكانا لإسرائيل الكبرى، يقول تسيفي بارئيل الكاتب الصهيوني في صحيفة هارتس 1/2/2020 « تقريبا في كل بنود الخطة يمكن ملاحظة بصمات اليمين الإسرائيلي ، و قدرته على بناء رواية مشوهة للتاريخ و استخدام ذلك كقاعدة لبناء واقع سياسي مشوه وخطير « ، ويرى أن قول الخطة « أنها ستساهم في نقل مساحة كبيرة من قبل دولة إسرائيل و التي هي جزء من أرض و وطن الأجداد للدولة اليهودية، الامر الذي يعتبر تنازلا كبيرا من الجانب الإسرائيلي « بمثابة اعتراف مطلق بالادعاء التوراتي في ارض إسرائيل الكبرى كقاعدة لتسوية سياسية .
الخطة تجاوز فظ وانتهاك خطير للأعراف والقوانين الدولية والمؤسسات الدولية القائمة على تطبيق تلك الأعراف والقوانين وحمايتها ، فالخطة تجاوز لكل القوانين والقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة بكافة لجانها ومؤسساتها وفي مقدمتها الجمعية العمومية ومجلس الامن الدولي ، والخاصة بالقضية الفلسطينية منذ وعد بلفور عام 1917 حتى اليوم ، وفي هذا هدم لكل القوانين والأعراف الدولية التي تعارفت عليها دول العالم لحل الخلافات والنزاعات فيما بينها ، لذا يرى المحلل الصهيوني جدعون ليفي في صحيفة هارتس الاحد 26/1/2020 أن خطة السلام الامريكية ورغم ما فيها من إيجابيات لدولة إسرائيل فإنها « تحمل بشرى سيئة ذلك أنها تخلق واقعا جديدا يؤكد أنه لا يوجد أي معنى للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية والمؤسسات الدولية بما فيها الأمم المتحدة « مؤكدا « أن ترامب و نتنياهو يسعيان للقضاء على ما تبقى من القانون الدولي « ويرى الكاتب الصهيوني تسيفي بارئيل في هارتس 1/2/2020 أن « أقوال ترامب يمكن أن يكون لها تداعيات ليس فقط على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، بل على كل نظريات العلاقات الدولية وعلى مكانة القانون الدولي» .
كما أن الشروط المجحفة التي وضعها ترامب بحق الفلسطينيين لإقامة شبه دولة لهم – حسب الخطة – تتناقض مع ميثاق مونتفيديو الذي وقع عام 1933 و حدد شروط قيام الدولة ، و تحول الي جزء من القانون الدولي، وهو –ترامب– لا يكتفي بصياغة طريقة حكم جديدة ، بل يحطم القانون الدولي الذي وضع أسس الإدارة والسيطرة على المناطق المحتلة ، ومثل هذه الشروط كان يجب أن تهز كيان الأمم المتحدة راعية القانون الدولي ، والتي بقيت صامته حتى الان ، لذا يرى تسيفي بارئيل ان « الخطة هي صك انتداب مصغر ينقل الي إسرائيل والولايات المتحدة الإدارة المشتركة للمناطق المحتلة واحتكار تحديد الموعد والشروط لإقامة دولة فلسطينية «
الخطة تمثل عودة لحكم شريعة الغاب ، حيث القوي يستولي على حقوق الضعيف و ممتلكاته دون رادع من ضمير أو أخلاق أو قانون، وهذا واضح في بنود الخطة التي تستولي على أرض الفلسطينيين ومقدساتهم و حقوقهم لأنهم ضعفاء وبلا قوة لصالح الكيان الصهيوني الذي يملك أدوات القوة و البطش ، وفي هذا هدر للقيم الإنسانية وحقوق الانسان .... الخ من المصطلحات و العبارات التي تتشدق بها الإدارة الصهيوامريكية - والغرب عموما – على انها راعيتها و حاميتها و الحريصة على سيادتها .
الخطة تمثل إعادة استنساخ للعبودية والفصل العنصري البغيض وتشرع ذلك ، و استخدام القوة وسياسة الترغيب والترهيب لتسويق ذلك ، فكل بنود الخطة مطالبات واستحقاقات مطلوب من الفلسطينيين أداؤها وبرحابة صدر وروح رياضية ، مطلوب منهم التنازل عن أرضهم لصالح الاستيطان و المستوطنين، مطلوب منهم التنازل عن مقدساتهم – القدس والمسجد الأقصى – لصالح عاصمة الكيان الصهيوني ، مطلوب منهم التنازل عن الحدود والسيادة عليها وعلى الأجواء والمياه لصالح الكيان الصهيوني ، مطلوب منهم عدم المطالبة او حتى الحديث عن اللاجئين و حق العودة الي ديارهم التي هجروا منها قسرا، وفوق ذلك كله مطلوب منهم أن يفعلوا ذلك برضا ورحابة صدر ، وأن تعمل سلطتهم على قمع وملاحقة أي معترض او منتقد لتلك البنود ، ليصبح الفلسطينيون عبيدا لخدمة الكيان الصهيوني جنودا و مستوطنين ، بعد حشرهم في كانتونات صغيرة ومعزولة ومكتظة، يأكلون ويشربون وينامون بعد تقديم الخدمة اللازمة للأسياد من الجنود والمستوطنين الصهاينة .
أمام هذه الصفات و الحقائق التي تترجمها خطة ترامب البغيضة ليس أمام الفلسطينيين من حل سوى قلب الطاولة تماما على رأس الصفقة وداعميها ، والتراجع عن مسار أوسلو الكارثي ، وحل السلطة ورفع قبضتها الأمنية عن المقاومين والمجاهدين ، و ترك الكيان الصهيوني يتحمل أعباء احتلاله للأرض والانسان, و يدفع ثمن ذلك من أرواح جنوده ومستوطنيه ومن أمنه واستقراره، ليس امام الفلسطينيين سوى البقاء والصمود والقتال قتالا شرسا ، فليس أمامهم في ظل حصار العدو والشقيق إلا أن يحاصر حصاره بالجنون وبالجنون».


التعليقات : 0