بقلم/ شريف الحلبي
بسرعة غير متوقعة يقطع قطار التطبيع مع الكيان الصهيوني مسافات شاسعة وأزمنة مديدة فصلت بين مبادئ وقيم المطبعين وانحلالهم الوطني والأخلاقي، ويتجاوز القطار الإشارة الحمراء بلون حمرة الدم الفلسطيني التي حاولت لسنوات أن تمنعه من العبور خوفاُ من أن يدوس علي الإرث والتاريخ ويحطم جدار الكرامة العربية، يسير بسرعة مولياً وجهه شطر "تل أبيب" دون الاكتراث لمحاكمات مخالفة تجاوز الإشارات الحمراء، التي سيعقدها يوماً شعوب الأمة الحية وحتماً عند قاضي السماء.
ما أريد أن ألفت الانتباه إليه في هذا المقال وما يتوجب فهمه هو أن مشروع التطبيع الخطير بآثاره وارتداداته لم يعد مطلباً صهيونياً له حساباته التكتيكية و الاستراتيجية فحسب، بل أصبح مطلباً عربياً يحقق غايات وحاجات مهمة للمهرولين إليه، سأعمد في البداية لتذكير القارئ بما يمكن أن يجنيه الكيان الصهيوني من مشروع التطبيع ليبقى حاضراً في الذاكرة والضمير والوجدان، فالتطبيع من المنظور الصهيوني يعني فقدان الصراع لبُعده القومي، وانتزاع القضية الفلسطينية من حاضنتها العربية وهو ما يعني أن يتجرد الفلسطينيون من عناصر القوة الاقليمية في مواجهة "اسرائيل"، بحيث يفرض التطبيع وقائع جديدة تُحول العدو إلى صديق كما تتحلل الأنظمة المطبعة بموجبه من مسؤولية التبني الأبوي أو الشقيق للقضية الفلسطينية، مما يسبب اليأس والإحباط في الجسد الفلسطيني، ومن جانب آخر يحقق الكيان الصهيوني بالتطبيع مكاسب استراتيجية على الصعيد الأمني من خلال بناء مروحة درء المخاطر والتهديدات الأمنية بحيث يتسع قطرها وفق الحاجة والتقدير، فالتطبيع هو منفذ صهيوني لهذه الدول للقيام بنشاطات ومشاريع ظاهرها خير وباطنها شرٌ مطلق، فكما نعرف بأن العربي الجيد في العقيدة الصهيونية هو العربي الميت، وأطماع الكيان الصهيوني في السيطرة على مقدرات وخيرات الأمة العربية لامتناهية وكبيرة، والرغبة الصهيونية في تفتيت الوطن العربي وإضعافه جامحة، ولعل ما قاله "آفى ديختر" وزير الامن الداخلي الصهيوني الأسبق، في سبتمبر من العام 2008 أثناء محاضرة ألقاها في معهد ابحاث الامن القومي الإسرائيلي يختصر القراءة والتحليل، حيث تحدث عن الاستراتيجية "الإسرائيلية" في المنطقة مركزاً على السودان قائلاً: "إن اضعاف الدول العربية الرئيسية بشكل عام، واستنزاف طاقاتها وقدرتها هو واجب وضرورة من اجل تعظيم قوة اسرائيل واعلاء منعتها في مواجهة الاعداء، وهو ما يحتم عليها استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة اخرى".
أما على صعيد مكاسب الأنظمة المطبعة فهي متنوعة، فبعضهم -كالرئيس البرهان- يؤمن بأن "تل أبيب" هي بوابة العبور للبيت الأبيض لاستجداء رفع العقوبات عن بلاده حتى لو كان الثمن بيع القدس، بالإضافة إلى رغبة مشكوك في أهدافها بأن يتحول السودان بموارده العظيمة إلى قوة اقتصادية خاصة في المجال الزراعي الذي تمتلك "اسرائيل" العصا السحرية فيه -كما يرى، فهو يظن بأن تقديم لقيمات مصبوغة بالدم الفلسطيني يقمن صلب أبناء شعبه ستطيل في عمر رئاسته للبلاد، وقد أوحى له الشيطان بذلك عندما استخار قبل لقاء المجرم "نتنياهو" ، والبعض -كإبن سليمان- يرى التطبيع حصانة من اقتياده إلى محكمة الجنايات الدولية لأن يديه تقطر من دم الأبرياء في اليمن وأنيابه التي قطعت خاشقجي مغروسة في لحم حرية الرأي، إضافة إلى أنه يسابق الزمن لأن ترى "مدينة نيوم" النور ليحقق أهم أحلامه وهو يؤمن بأن التكنولوجيا "الإسرائيلية" المتقدمة جداً هي القادرة بأن تضعه في الصدارة متفوقاً على جارته دبي، كما أنها قادرة على توفير كافة المتطلبات الأمنية للحماية ومواجهة الخصوم، أما البعض الآخر مثل ".." فهم الجبناء الذين يدفعون بالتطبيع ثمن كرسي العرش الذي اعتلوه بتدبير صهيوني وإرادة أمريكية ليكونوا خنجراً في خاصرة الأمة، وهم من الصنف الذي قال الله فيهم "فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ".
على كلا الوجهين سواء كان التطبيع برغبة "اسرائيلية" أو لحاجة من المطبعين فهو سراب يحسبه المطبع ماء، وهو خيانة للأمة ودورها التاريخي في مجابهة المشروع الصهيوني، لن يكتب له النجاح لأن الباطل إلى زوال، وذاكرة الشعوب وضمائرها حية.


التعليقات : 0