الشيخ/ نافذ عزام
من نافلة القول الحديث عن أهمية المسجد الأقصى، وموقعه في الحضارة الإسلامية وفي العقيدة الاسلامية ذاتها، فهناك المكانة المقدسة لهذا المسجد كونه ثاني اقدم المساجد على وجه الارض بعد بيت الله الحرام وهو قبلة المسلمين الاولى التي توجهوا اليها في صلاتهم ،وهو ثالث الامكنة التي تشد اليها الرحال، وتستحق أن يسافر الناس للصلاة فيها، وتأكيداً لهذه المكانة كان الخروج الاول للنبي صلى الله عليه وسلم بعد تشرفه بحمل الرسالة اليه في ليلة الاسراء والمعراج الى السماء أي ان المسجد الأقصى وقبل ان يصله الفتح الاسلامي كان نقطة الارتكاز في تلك الرحلة السماوية المعجزة، وبعد أن دخلته جيوش المسلمين، كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأتي بنفسه ليتسلم مفاتيح المدينة المقدسة والمسجد الأقصى في زمن خلافته فتح الله على المسلمين بلاداً وممالك كثيرة، وسقطت امبراطوريات عاتية كان لها اسمها في التاريخ، لم يذهب الخليفة الراشد لأي من تلك البلدان، ولم يشارك في احتفالات النصر على الامبراطوريات الأسطورية، وفقط كان يأتي لقدس ليتسلم مفاتيحها في خطوة لها دلالاتها الكبيرة.. أي أن فتح القدس ودخول الاسلام اليها كان اشارة لصعود الأمة وتأكيد عالمية الدين الجديد، وكان سقوط القدس بعد ذلك زمن الحملات الصليبية مؤشرا على تراجع الأمة وانحدار مكانتها.
فتح القدس حصل في ظل قوة الإسلام وتماسك الأمة، وسقوطها كان بسبب التفتت والتمزق وانشغال الممالك بخلافاتها وانشغال القادة والزعماء بعروشهم وسلطاتهم، تقول كتب التاريخ، إن الصليبيين أكلوا الجيف من شدة الجوع، وكانوا من التعب والهزال والإنهاك ورغم ذلك دخلوا القدس وأقاموا ولايتهم اللاتينية فيها، لغياب الأمة وقادتها، حيث لم تتحرك العواصم الكبيرة والشهيرة.. القاهرة، ودمشق، وبغداد، وظلت أجزاء الأمة مشغولة بخلافاتها، بل وصل الأمر ببعض حكام الممالك أن يتحالفوا مع الروم والبيزنطيين والنصارى ضد إخوانهم وأبناء ملتهم حكام الممالك الأخرى كان من الطبيعي أن تسقط القدس، وأن يُذبح في باحاتها أكثر من سبعين ألف مسلم كما يقول المؤرخون الغربيون أنفسهم حتى وصلت الدماء إلى ركب الخيل ، واستغرق الأمر قرابة مائة عام قبل أن يأتي صلاح الدين ليصحح مسار التاريخ، وليعيد الأمور إلى اتزانها، وقبل أن يخوض صلاح الدين معركة حطين كان يجمع العلماء والفقهاء وأهل الرأي ويشرع معهم في برنامج للإصلاح وتقويم الأخلاق، وسعى إلى توحيد الأمة ليكون ذلك المدخل الصحيح لهزيمة الصليبيين في حطين واستعادة القدس ومسح الكآبة عن قباب المسجد الأقصى.
وعندما سقطت القدس من جديد عشية الحرب العالمية الأولى، كان من الواضح أن الأمة تعاني من الفرقة والتشرذم وبدا ان التشرذم بلغ مداه بتحالف بعض قادة العرب مع المستعمرين وبريطانيا العظمى ضد إخوانهم العثمانيين الأتراك، وكان المستعمرون يحاولون بشراسة وحشية تقسيم تركة الرجل المريض وهو الوصف الذي أطلقوه على دولة الخلافة التي كانت تمثل وحدة المسلمين لم يكن غريباً أن يدخل الجنرال اللنبي ليعلن من هناك بكلمات صادمة لكل مسلم «الآن انتهت الحروب الصليبية» وعندما سقطت القدس من جديد قبل خمسين عاماً ، سقطت بسبب الفرقة والتشرذم وغياب وحدة الأمة وتنحية الإسلام عن الفعل والتأثر ولازال السقوط مستمراً.
التاريخ عبر محطاته تلك يقول لنا بأن القدس عاشت أزهى أوقاتها وكانت درة العرب والمسلمين فعلاً ، عندما كانت الأمة موحدة وعندما كان المثال الإسلامي العظيم حاضراً وحياً وفقط كانت تسقط وتستذل عندما تتمزق الأمة وينشغل قادتها بخلافاتهم ومصالحهم ، تماماً كما هو حاصل الآن تقول بدايات التاريخ مخاضة ماء اعترضت ناقة عمر (رضي الله عنه) وهو يهم بدخول المدينة المقدسة ، فنزل عن ناقته عمر (رضي الله عنه) وحمل نعليه على كتفه ، ودخل القدس على هذه الهيئة التي أذهلت القائد المحلي أبا عبيدة بن الجراح (رضي الله عنه) والذي يرى أن يدخل الخليفة المدينة المقدسة في موكب كبير يناسب أبهة المنتصرين ليزرع الخوف والرهبة في قلوب الروم الذين يشاهدون لحظة الدخول ... ذهل أبو عبيدة وهو يرى عمر يدخل حاملاً نعليه على كتفه وغلامه يحرك الناقة فقال : ما يسرني أن يراك أهل المدينة على هذا النحو فرد عمر كنا أذل الناس فأعزنا الله بالإسلام ،ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله .. هذه أخلاق المنتصرين، وهذا سلوك المنتصرين الذين يستحقون دخول القدس.. لا مواكب كمواكبنا، لا أبهة كهذه الهالات التي يحيط الزعماء أنفسهم بها.. لا غرور ولا كبر، ولا انتفاش.
يعاني المسجد الأقصى اليوم، ويعاني أهله، وهناك فعلا من يدفع ضريبة الاختلال في موازين القوة، لكن الحال لن يتغير إلا إذا تغيرنا نحن.. ولعل الإشارة الواردة في وصية عمر العبد المنتفض من أجل القدس والمسجد الأقصى توضح هذا العنصر الذي حكم تاريخ الاقصى والقدس، عندما نتحدث عن الفرقة والاختلاف والانقسام وأراد أن يجعل من نفسه وجسده ودمه منبها للقادة والنخب ليعيدوا النظر في سياساتهم ومواقفهم.
لن يسقط المسجد الأـقصى ولن يندثر هذا المعلم البارز من معالم الأمة والحضارة والانسانية لكننا سنحتاج الى الكثير من الجهد والوقت والشجاعة للخروج من دائرة الفرقة والتفتت والاختلاف. أما وعد الله فهو صادق ولن يتخلف بعونه وحوله.


التعليقات : 0