بقلم الأسير المحرر أكرم نعيم بني عودة
الأسيرة المحررة منى قعدان (أم النور ) من بلدة عرابة قضاء جنين مواليد عام 1971 تم اعتقالها عدة مرات لتعيش تجربة اعتقالية قاسية كانت بدايتها عام 1999 في مركز تحقيق الجملة والتي تعرضت فيه لتحقيق عسكري لمدة 37 يوم ثم جاء الاعتقال الثاني عام 2004 وتم حكمها لمدة ثمانية عشرة شهرا .... وفي عام 2007 تعرضت لتجربة اعتقالية جديدة وقاسية وهي عام كامل من الاعتقال الإداري وفي عام 2011 تم اعتقالها لمدة تسعة شهور دون محاكمة إلى أن خرجت بقرار من المحكمة وفي عام 2012 وهي المرة الخامسة من الاعتقال والأكثر حكما والتي كانت لمدة ستة سنوات قضت منها اربع سنوات وتم الإفراج عنها ، والآن نترككم مع الأسيرة المحررة منى قعدان تحدثكم عن معالم في سيرتها الاعتقالية ..
تبدأ معاناة الأسيرة من الدقيقة الأولى للاعتقال سواء كان الاعتقال من داخل المنزل وما يتخلله من الاقتحام الليلي والرعب الذي ينزل بها وبعائلتها والتفتيش والتدمير للبيت محاولين كل محاولاتهم لكسر قلب الأسيرة وكسر ارادتها قبل أن يتم نقلها عبر البوسطة وسط ازدحام كبير من الجنود بالإضافة إلى كلابهم الوحشية وصراخهم والمنع من وداع الاحبة ومصادرة الكثير من خصوصية الأسيرة والتي تفتقدها بعد حين والتي كانت جزء كبير من حياتها وتحتفظ بها منذ طفولتها كجزء اساسي من الحياة حتى تصبح عقاب لها وتهديد لها في كل مرة ... ولا تقل هذه المعاناة عن اعتقال الأسيرة عن الحواجز من رعب وخوف وعدم وداع الاهل او اخبارهم بالاعتقال بحيث تبدأ الأسيرة بالتفكير هل عَلم الاهل ... كيف كانت ردة الفعل ؟ مع تخوفها على نفسيتهم وصحتهم ... الف سؤال وسؤال يدور بالذاكرة في آن واحد دون معرفة الجواب... وتبدأ بعد ذلك رحلة العذاب بالانطلاق في البوسطة معصوبة العينين مقيدة اليدين والرجلين لا تدري إلى أين وجهتها ، من دون مراعاة أن الفتاة لها خصوصيتها سواء أكان ذلك بالحجاب أو الامور الخاصة وكأنهم يعاقبونها مرتين الاولى كونها أسيرة والثانية كونها فتاة .
ومجرد وصول الأسيرة إلى مراكز التحقيق ووضعها في زنازين تحت الأرض بلا رحمة .... زنازين لا تصلح أن تكون اسطبلا للحيوانات ... زنزانة حجمها صغير ، داكنة اللون ، ضوء خافت ، غطاء خفيف ذو رائحة كريهة ، أصوات مرعبة ....لم تفهم الأسيرة ماذا سيحدث معها في الساعات القادمة وتكون بين الخوف والثبات ..وتبدأ مرحلة التحقيق ويتم نقلها من الزنزانة إلى غرف التحقيق معصوبة العينين لا تعرف من أين خرجت ولا أين دخلت ويبدؤون بالصراخ من أجل إدخال الرعب على قلب الاسيرة و أحيانا تتكلم بما ليس عندها اذا كانت صاحبة تجربة اولى في الاعتقال ... وتبدأ معركة الصمود والثبات مهما حاولوا معها من صراخ وحرمان نوم وعدم رؤية المحامي والأشياء التي تعتبر من حق اي أسيرة وأحيانا تستمر هذه المرحلة أيام وأشهر ، وتعتبر أصعب ايام على الأسيرة ، ولا تتوقف معاناة الأسيرة مجرد خروجها من التحقيق الذي انهكها نفسيا وجسديا ومن المتوقع نقلها على غرف العصافير والتي تخصص بالعامل النفسي من أجل إشعار الأسيرة بالراحة النفسية انها مع اسيرات من شعبها... تُعامل من قبلهم بالهدوء والاهتمام حتى تتكلم وتبوح بكل ما عندها ... حتى ترجع من جديد للتحقيق والاعتراف ، بعد ذلك يتم نقل الأسيرة إلى السجن مع الاسيرات وهذه معاناة جديدة تبدأ بها.
اجواء جديدة ، بيئة جديدة ، روتين قاتل من قبل الاحتلال ، العدد ، ودق الحديد والتفتيش للغرف والذي غالبا يكون أثناء الليل لا يهمهم اذا كانت كبيرة بالسن أو طفلة صغيرة يجب أن تنصاع للأوامر والا ستتعرض إلى العقاب والعزل الانفرادي وحرمان من زيارة المحامي والأهل والكنتين وغيرها من العقوبات وكل عقاب يحتاج إلى شرح طويل وهذه الكلمات لا تعبر عن حجم المعاناة والأرق النفسي الذي يحل بالأسيرة فهذه مجرد كلمات مصفوفة تقرأ خلال دقائق ، لكن الأسيرة تحمل هذه المعاناة طوال حياتها .. جميع أوقات الأسيرة معاناة ، وتبدأ بعد ذلك بالمحاكم وهذه تعتبر رحلة عذاب بحد ذاتها بدءا من خروجها من زنزانتها في منتصف الليل والتفتيش العاري قبل الخروج وبعد عودتها منهكة من التعب بالذي مر معها طوال يوم وليلة
بعد تفتيشها يتم خروجها إلى ساحة السجن وتبقى بالبرد الشديد حتى يتم خروج جميع الأسرى الذين عندهم محاكم بنفس اليوم سواء امنيين أو جنائيين ووضعهم جميعا في بوسطة واحدة وهي عبارة عن قطعة حديدية تمشي على الأرض مقسمة لغرف صغيرة بعضها يتسع لشخص واحد أو شخصين لا تستطيع الأسيرة وضع رجلها براحة أو الوقوف .. ايام الشتاء يكون الحديد عبارة عن قطعة ثلج تجلس عليها ومهما لبست من ملابس لا يشفع لها البرد ..وفي ايام الصيف تكون قطعة من النار ..
ويحرصون على وضع الأسيرة بالقرب من الاسرى الجنائيين وتتعرض إلى الشتائم والحركات التي لا يقبلها اي حر لأخته أو ابنته وبعد عدة ساعات يستقر المطاف في سجن الرملة لتجميع الأسرى من جميع السجون ونقلهم من جديد للمحاكم واذا احتاجت الأسيرة إلى حمام وبعد الحاح عليهم يذهبون بها إلى حمام مكشوف من المستحيل أن ترضى الأسيرة دخوله وتبقى بعذابها لعدة ساعات جديدة حتى توصل المحكمة ووضعها في زنزانة عفنة والمياه النجسة .. ولكن لم يبق معها مجال للصبر على رؤية الأهل تريد أن ترتاح بعد ساعات طويلة من العذاب على أمل دخولها للمحكمة ورؤية اهلها لترتاح قليلا ويكون ذلك لأقل من ربع ساعة تختلس النظرات لأهلها من خلف الجنود مع منعها من الحديث معهم ولكن تأخذ منهم نظرة وابتسامة تبقى في وجدانها للمحكمة التي تليها وبعد ذلك ترجع إلى زنزانتها من جديد تنتظر حتى يتم محاكمة جميع الأسرى وتبقى إلى ساعات المساء حتى يتم نقلها من جديد وبنفس المراحل حتى تستقر بالرملة ومن ثم إلى السجن ويكون الوقت قد قارب على منتصف الليل وتكون انهكها التعب والبرد والجوع حتى تخضع للتفتيش العاري من جديد وكأنها لم تكن مقيدة طوال الوقت تحت حراستهم ... ولا تريد شيء سوى ان تصل الى فرشتها الحنونة التي ستشعرها بالدفيء والأمان نوعا ما وتكون أخواتها الاسيرات اعددن لها الطعام ومشروب ساخن (لا يشبه ما تشربون) يدفئ معدتها التي ذابت من البرد وتبدأ بشرح تفاصيل ابتسامة الاهل التي خطفتها من بين الجنود وانستها كل الألم .. يكون اللقاء ربع ساعة وتتحدث عنه بساعات طويلة وكثير من الأحيان تقضي الأسيرة عدة أيام قبل وبعد المحكمة في معبار الجلمة ووضعها مع الجنائيات دوم مراعاة خصوصيتها معاناة الأسيرة كبيرة ... ولا تنتهي المعاناة خاصة إذا كانت ممنوعة من زيارة الاهل وتستمر احيانا فترة الحكم كلها دون رؤيتهم كما يحصل معي بحجة الرفض الأمني
اي معاناة نتحدث عنها عندما تفقد الأسيرة أحد احبتها وهي داخل الأسر لا سيما الوالدين لا أريد التحدث بإسهاب بهذا الموضوع لأنه جرح عميق بالنسبة لي عندما فقدت والدتي وانا ما زلت بالتحقيق...أحدثكم عن معاناة أخرى، فمثلا عند وصول أسيرة مصابة ولم يقدم لها العلاج مطلقا وتحتاج إلى رعاية طبية خاصة ، لتقوم الاسيرات برعايتها الشيء البسيط دون أي اهتمام من الإدارة ومهما حاولت الاعتراض دون جدوى .... أذكر عندما أحضروا لنا الاسيرة ياسمين الزرو بعد يومين من اعتقالها وهي مصابة بالأمعاء والفخذ ولم يقدموا لها العلاج اللازم وخاصة انها لا تستطيع استخدام الحمام وبحاجة إلى عناية خاصة وتغيير كيس الإخراج ثلاث مرات يوميا وكان هذا عبئ جديد على الاسيرات ليس تقصيرا ، ولكن عدم وجود الخبرات .. ولا تستطيع الأسيرات بهذه الحالة سوى تقديم الاحتجاجات من ترجيع وجبات وعدم الخروج للفورة و يصل احيانا الأمر إلى الاضراب عن الطعام من أجل علاج أسيرة او خروجها إلى المستشفى ... وتبقى معاناة الأسيرات مستمرة .


التعليقات : 0