أحمد عبد الرحمن
قد يبدو لبعض متابعي الشأن الإسرائيليّ أنَّ نتائج الانتخابات النيابية الإسرائيلية التي أُجريت للمرة الثالثة رجّحت كفّة الكتلة «اليمينية»، الممثلة بـ»الليكود» والأحزاب الدينية الأخرى، على كفَّة اليسار الممثل بتكتّل «أزرق أبيض» وما تبقى من حزب «العمل» و»ميرتس»، وغيرها من الأحزاب التي كانت تصنف أحزاباً يسارية. ربما يتمنى البعض الآخر أن تتغيَّر النتائج النهائية، بحيث تتعادل كفة الجانبين أو يتقلص فارق المقاعد بينهما، بما لا يُعطي كتلة اليمين، بزعامة نتنياهو، الحرية المطلقة في تشكيل حكومة جديدة قد تُقدم على خطوات دراماتيكية يمكن أن تعقد المشهد السياسيّ داخلياً وخارجياً، وتزيد من حالة التوتر والاحتقان التي تلقي بظلالها على المشهد الميداني في الإقليم. ولكن في الحقيقة، من يتأمّل جيداً مواقف جميع الأحزاب في الساحة الإسرائيلية، باستثناء «القائمة العربية» وحزب «ميرتس» منتهي الصلاحية، يكتشف أنَّ جميعها، من دون استثناء، وبغض النظر عن المسميات، هي نتاج فكر يمينيّ متطرّف. وهذا الفكر العنصريّ والاستبداديّ لا يمكن أن يحمل في طياته أيّ إمكانية للقاء مع الآخر «الفلسطيني أو العربي» إلا على قاعدة السيّد والعبد. وما التجربة المريرة التي خاضها الفلسطينيون لأكثر من 27 عاماً، ولم تتمخض إلا عن مزيد من مصادرة الأراضي وتهويد المقدسات وتشديد الحصار، إلا خير دليل على ذلك.
في «إسرائيل»، يثار الخلاف على بعض المسمّيات والمواقيت ليس أكثر، فهناك إجماع كامل من كل الأحزاب، على اختلاف تصنيفاتها، على أحقيّتهم بأرض فلسطين بكل ما فيها من مقدسات وأماكن تاريخية، وعلى أنَّ سماحهم ببقاء بعض سكانها الأصليين «الفلسطينيين»، غايته خدمتهم فقط، وهو مستنسخ من تجربة الأميركيين الجدد مع السكان الأصليين لتلك الأرض من «الهنود الحمر». بالعودة إلى الأحزاب الإسرائيلية ومدى جنوحها إلى التطرّف والتشدّد، يمكن أن نستشهد ببعض تصريحات قادة تلك الأحزاب للتدليل على صحة ما نقول، إذ يظهر بوضوح أن تلك المواقف تدل بما لا يدع مجالا للشك على أنَّ المجتمع الإسرائيلي، بشرائحه كافة، يميل بشدة باتجاه التشدد والتطرّف ورفض الآخر. في كانون الثاني/يناير الماضي، قال زعيم تكتل «أزرق أبيض»، الجنرال بيني غانتس (يصنف بأنه يساري)، إنه سيعمل على ضم غور الأردن إلى «إسرائيل» في حال فوزه في الانتخابات. وأضاف أنَّ غور الأردن هو الجدار الدفاعي الشرقي لـ»إسرائيل» في أيّ سيناريو مستقبلي، وهو جزء لا يتجزأ من «دولة إسرائيل». هذا الموقف يماثل تماماً موقف اليمين الإسرائيلي الَّذي أعلنه نتنياهو في أكثر من مناسبة. ويُظهر هذا التطابق في المواقف أنّ الطرفين يتشاركان الرؤى والأفكار نفسها، ويسعيان إلى تحقيق الهدف نفسه.
في مناسبة أخرى، تباهى غانتس بأنه أعاد قطاع غزة إلى العصر الحجري في عدوان العام 2014، وتفاخر بقتل أكثر من 1360 مواطناً فلسطينياً في تلك الحرب الهمجية، وهو بهذا الموقف يلامس تماماً مواقف اليمين المتطرف الذي يدعو إلى قتل الفلسطينيين وطردهم وتهجيرهم من أرضهم. قطب آخر من أقطاب «أزرق أبيض» هو موشيه يعالون، وزير الحرب السابق، الذي اعترف بأنه كان من منفذي عملية اغتيال الشهيد خليل الوزير، أبو جهاد، في تونس في العام 1988، وهو صاحب تاريخ دموي حافل بالجرائم والمذابح التي يندى لها الجبين. باستذكار هاتين الشخصيتين فقط من قادة هذا الحزب الذي يحلو للبعض بأن يصنفه حزباً يسارياً، ويرى أنه الخيار الأفضل والأنسب والأكثر قابلية للتفاوض معه أو الحصول على مكتسبات منه، نكتشف أنَّ هذا الموقف أقرب إلى الوهم أكثر منه إلى الحقيقة، وأن الأفكار والرؤى التي يحملها هذا الحزب ما هي إلا نسخة طبق الأصل من تلك التي تحملها الأحزاب اليمينية. على كلِّ حال، نحن هنا لا نحاول إشاعة حالة من اليأس والإحباط لدى بعض المتأمّلين خيراً في ما يُسمى معسكر اليسار الإسرائيلي، ولكن ما نريده فقط هو إيضاح الصورة بشكل يسمح للجميع بقراءة المشهد بصورة أوضح، وتصحيح النظرة الخاطئة التي يرى منها البعض المشهد الإسرائيليّ. هذا الكيان الذي بنى أركان «دولته» على القتل والإرهاب منذ أكثر من 70 عاماً، لا يمكنه أن يتحوّل بين عشيةٍ وضحاها إلى حمامة سلام تنثر أغصان الزيتون على ربوع الأرض التي ملأها على مدار تاريخه الدامي بالأشلاء والدماء.
في الختام، نقول إنّ الانتخابات الإسرائيلية، وبغضِّ النظر عن الفائز فيها، هي تجسيد حيّ للفكر المتطرف الَّذي بات يسيطر على المجتمع الإسرائيلي، وإنَّ توجُّه هذا المجتمع وممثّليه على المستوى السياسي أو العسكري، لا يؤشر على الإطلاق إلى إمكانية نجاح أيّ مفاوضات أو مباحثات معه، حتى لو قدّم الطّرف الآخر تنازلات صعبة وقاسية.


التعليقات : 0