تيسير الغوطي
تأكيد السيد اسماعيل هنية مؤخراً بأن إدارة ترامب حاولت عدة مرات فتح قنوات اتصال مع حركة حماس وإجراء لقاءات مع ممثلي الحركة للدفع قدماً بصفقة القرن أمرٌ في غاية الأهمية والخطورة ، رغم تأكيد السيد اسماعيل هنية على رفض حركة حماس للعروض الامريكية معتبرة إياها تخدم المصالح الأمريكية ، المحلل الصهيوني والخبير في الشئون العربية يوني بن مناحيم ،والضابط السابق في شعبية الاستخبارات الصهيونية العسكرية قال في مقال له بموقع «news_archive « الاخباري الصهيوني إن زعيم حماس إسماعيل هنية فجر قنبلة سياسية بإعلانه عن محاولات إدارة ترامب فتح قنوات اتصال مع حركة حماس ، التي تعتبرها الولايات المتحدة الامريكية منظمة إرهابية منذ عام 1993 وحتى اليوم .
ويضيف يوني بن مناحيم إن الادارة الأمريكية تسعى لتنفيذ صفقة القرن من خلال اتصالات سرية مع أوساط فلسطينية ومن ضمنها حماس التي تدرك واشنطن قدرتها على إرباك المخططات الامريكية لصفقة القرن ، ومؤكداً أن أوساطاً في حماس إشارت إلى أن واشنطن مستعدة لإزالة حماس وقادتها من قوائم الارهاب إن وافقت على الدخول في مفاوضات معها.
الحديث عن رغبة الولايات المتحدة في إجراء مفاوضات مع حركة حماس وكذا المفاوضات التي جرت مع طالبان يؤكد لنا مجموعة من الحقائق التالية :
- أمريكا شأنها شأن كل الدول الاستكبارية الظالمة لا عهد لها ولا ميثاق ولا قانون ولا أخلاق في تعاملها مع الاخرين ،إنما الحكم والسيد في هذا التعامل هو المصالح وبالتأكيد هي مصالح المستكبرين والظالمين ، فكيف تنتقل حماس من منظمة ارهابية يحاكم ويسجن كل من يتواصل معها أو يقدم لها خدمة ، الى جهة يمكن التفاوض معها ؟ ، هذا فقط يحصل عندما تغير هذه الجهة من مواقفها ومبادئها الرافضة للسياسة والهيمنة الامريكية ،هذا التغيير ( التدجين ) الذي تسعى إليه الادارة الصهيو أمريكية بواشنطن منذ زمن مستعينة ببعض الأدوات من الانظمة والحكام العرب .
- أمريكا والقوى الظالمة عموماً لا تفكر في المفاوضات مع أي جهة معادية لها إلا بعد الفشل في تحطيم تلك الجهة عسكرياً (أسلوب العصا) ، لذا تحاول عبر المفاوضات (أسلوب الجزرة) تحقيق ما فشلت في تحقيقه عبر القوة . ولا يدفعها إلى التفكير في المفاوضات الندية وعدم فرض الشروط إلا الفشل في الخيار العسكري وعدم القدرة على تحمل المزيد من أعباء وأثمان هذا الخيار من دماء وأرواح جنودها بعد مليارات الدولارات من خزائنها واقتصادها , كما نراه واقعاً في مفاوضاتها مع حركة طالبان الأفغانية المصنفة عندها إرهابية, بعدما خسرت ما خسرته من أرواح وأموال في محاربتها تحت عنوان محاربة الإرهاب.
- المفاوضات بعيداً عن أوراق القوة التي تكبد المعتدي الخسائر الجمة لا يمكنها ان تجبر هذا المعتدي للتنازل عما اغتصبته , بل سيستخدمها لإجبار الطرف المقابل الضعيف والذي لا يملك أوراق قوة على تقديم المزيد من التنازلات لصالح غطرسته واستكباره , وهذا ما نراه واضحاً في المفاوضات التي تجري منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً بين الطرف الفلسطيني الرسمي وبين الكيان الصهيوني ,والتي لا تنتهي جولة من جولاتها إلا بمزيد من التنازل من قبل الطرف الفلسطيني الضعيف (لتخليه عن أوراق القوة) لصالح الطرف الصهيوني المعتدي الذي لا يخشى شيئاً من قبل الطرف الفلسطيني يرغمه على دفع ثمن احتلاله واغتصابه للأرض والحقوق الفلسطينية , حتى وصل الأمر لأن تصبح السلطة الفلسطينية سلطة بلا سلطة وأن يصبح الاغتصاب الصهيوني لفلسطين وحقوق شعبها احتلالاً بلا تكلفة كما صرح بذلك رئيس السلطة الفلسطيني محمود عباس.
- يجب أن تكون الاطراف المظلومة والمكتوية بظلم واستكبار القوى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني أكثر حذراً وثباتاً على مواقفها ومبادئها , ولا تأخذ عقولها الجزرات التي ترمي بها القوى الظالمة مثل رفع حماس وقادتها من قوائم الارهاب الظالمة التي تصنفها الولايات المتحدة حسب مصالحها ومصالح حلفائها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني , أو الإغراء بالاستعداد لقبول حماس كجهة فاعلة ومعترف بها اقليمياً ودوليا على الساحة الفلسطينية ,وهذا مما قد يلقى قبولاً عند بعض القيادات واصحاب القرار خاصة اذا توفر غطاء عربي واقليمي يتم الركون اليه.
المفاوضات مع الشيطان الأكبر أمريكا خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية هي مفاوضات مع الكيان الصهيوني الذي يغتصب الارض والمقدسات والحقوق, وهذا ما يجب الانتباه اليه والحذر منه,فضلا عن انه اعادة لاستنساخ تجربة النظام العربي الفاشلة التي كان من خلالها يقيم علاقات الصداقة والشراكة مع الولايات المتحدة الامريكية في الوقت الذي يعلن ويدعي عداءه للكيان الصهيوني.
أمام هذه الحقائق عن رغبة الولايات المتحدة في التفاوض مع حركة حماس فإن الواجب على الفلسطينيين جميعاً وخصوصاً حركة حماس أن ترفض مثل هذه المفاوضات, وهو ما أكده السيد اسماعيل هنية من موسكو مؤخراً, وأن يبقى الفلسطينيون جميعاً رافعي راية الكفاح والمقاومة والجهاد ضد الاحتلال الصهيوني واغتصاب الارض والمقدسات والحقوق, حتى يضطر الكيان الصهيوني بسبب الخسائر المادية والمعنوية والثمن الباهظ من دماء وأرواح الجنود والمستوطنين وفقدان الأمن والاستقرار للتراجع عن احتلال الارض واغتصاب الحقوق والمقدسات , وما ذلك على الله ببعيد «إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً « لأنه تحقيقاً لوعد الله الذي لا يتخلف « فاذا جاء وعد الأخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا» صدق الله العظيم.


التعليقات : 0