كسر الصمت... رعب ال "20 دقيقة" وأبعادها.. فارس عز الدين

كسر الصمت... رعب ال
أقلام وآراء

فارس عز الدين

إن مقاومتنا على أرض فلسطين ليست خيارًا ضمن وفرة من البدائل القادرة على صد العدوان ودحر العدو الصهيوني، بل هي القدر الأوحد والأجمل الذي يمارسه المستضعفون حبًا وطواعيًة وعن طيب خاطر فكرًا وقناعة وممارسة. لذا تبقى المقاومة المسلحة هي الشكل الوحيد والجاد على طريق تحرير فلسطين. وهذا المفهوم يطابق تمامًا رؤية حركة الجهاد الإسلامي للمقاومة كخيارٍ استراتيجي لا يعادله شيء آخر، ويعزز هذا المفهوم مقولة الأمين العام السابق للحركة الدكتور رمضان شلح: «إن أسهل قرار تتخذه قيادة حركة الجهاد الإسلامي هو التصعيد والاشتباك مع العدو». إرهاصات ما قبل معركة «كسر الصمت» تؤكد أن سرايا القدس كانت ترصد الخروقات المستمرة لجيش العدوان الصهيوني والتي زادت عن 1600 خرق منذ توقيع اتفاق التهدئة في نوفمبر 2012م، وأن السرايا تمتلك حكمة في صمتها وفي حضورها الميداني بالشكل المناسب. ويبدو أن الاحتلال فهم رسالة التهدئة خطًا في التزام المقاومة بالصمت المطبق أمام عدوانه المتواصل. حيث واصل العدو القصف الجوي وعمليات التوغل الحدودي، وقتل ثلاثة شهداء من السرايا هم ” عبد الشافي معمر، وإسماعيل أبو جودة، وشاهر أبو شنب”. كل هذه الوقائع الميدانية كانت تتطلب حضور المقاومة الميداني بأن تضع حدًا لحالة التهدئة غير المبررة وأن تكسر «صمت المقابر» فكانت سرايا القدس تأخذ زمام المبادرة في عملية «كسر الصمت»

 

اختيار «كسر الصمت» كاسم لهذه الهجمة الصاروخية المنظمة، كان موفقًا ويعكس حرص قيادة السرايا والإعلام الحربي على إيصال الرسالة بمنتهى الدقة وفي كل الاتجاهات، الاتجاه الأول للداخل الفلسطيني فالشعب من حقه أن تكسر المقاومة هذا التغول المستمر للاحتلال، وكذلك للفصائل الفلسطينية أن التهدئة مع الاحتلال غير مقدسة وليست هدفًا في ذاتها، بل إنها تكتيك المضطر أمام متطلبات المرحلة. والرسالة الثانية كانت للاحتلال الذي سعى أن تكون له اليد الطولى واستعراض القوة المستمر، فكانت هجمة «كسر الصمت» صافرة انذار في وجهه أن المقاومة ملزمة بالدفاع عن شعبها وعن مجاهديها وعن المقدسات وأن الوطن المحتل وحدة واحدة كلما اعتدى العدو على جزء منه تداعت باقي الأجزاء للرد والقصاص من المحتل. والرسالة الثالثة كانت للوسيط المصري الذي رعى التهدئة، حيث شاب العلاقة الفلسطينية المصرية بعضًا من الفتور وبالتالي كانت العملية دق ناقوس الخطر للوسيط أن الصبر نفذ والمقاومة ستترجم موقفها ردًا ميدانيًا.

 

البعد الأول والأقوى، هو البعد الأمني والتطور الأمني اللافت في اختيار التوقيت المناسب لهذه الجولة، فالسرايا هي التي بادرت بفتح الميدان وصلي العدو بحمم الصواريخ، فعنصر المفاجأة ساهم في استعادة قواعد الاشتباك مع العدو. هذه العملية الأمنية المعقدة التي نُفذَّت على مدار «20 دقيقة» كشفت ضعف الجهد الاستخباري للعدو في رصد قرار المواجهة وحتى الفشل في التعامل الميداني مع الواقعة حيث أن أكثر من أربعين مجموعة قتالية لسرايا القدس على امتداد القطاع وفي ظل تحليق طائرات الاستطلاع لم تصب بأذى وعادت إلى قواعدها بسلام. كما برز دور جهاز «أمن السرايا» في توجيهاته الأمنية من خلال البيان الذي وجهه للجماهير في اللحظات الأولى للمعركة.

 

البعد الثاني، هو القدرة القيادية العليا في إدارة المعركة بشكل منضبط يحقق الأهداف المرجوة، فقيادة سرايا القدس كانت تتابع سير العملية وفق الخطط والآليات لحظة بلحظة، وكانت تقوم بدور القيادة والتوجيه وإعطاء التعليمات المناسبة. وأيضا بدا واضحًا الانضباط لدى مقاتلي السرايا في تنفيذ المهام القتالية. وهذا التخطيط المحكم تكلل بتنفيذ العملية دون وجود خسائر بشرية.

 

البعد الثالث، هو البعد التقني، ففي إطار المفاجآت التي توعدت بها سرايا القدس العدو الصهيوني، كشفت عن راجمة صواريخ أرضية جديدة تطلق صواريخ «107» الموجهة. تعمل الراجمة بطريقة آلية من تحت سطح الأرض. الأمر الذي يعكس التطور المستمر في الأدوات القتالية وأن المعركة مع العدو الصهيوني هي معركة أدمغة لمفاجأة العدو بما تبدعه أيدى المهندسين في وحدة التقنية والتصنيع التابعة لسرايا القدس.

 

البعد الرابع، هو البعد الإعلامي فالإعلام الحربي نجح في نقل الصورة الميدانية بجدارة، ونجح أيضًا في إدارة المعركة إعلاميًا عبر البيانات والكليبات المناسبة الأمر الذي عكس تناغمًا بين الميدان والإعلام. ولا نغفل الخطاب الرسمي الراقي لقيادة الحركة حيث أن الدكتور رمضان شلح قطع الطريق على المتربصين بوحدة المقاومة وتكاملها مما ضاعف من النتائج الإيجابية لكسر الصمت.

 

البعد الخامس، هو استهداف الجبهة الداخلية الصهيونية التي باتت تدرك عجز قيادة الجيش عن حماية المستوطنين، ووقف التهديد الصاروخي القادم من القطاع، الصحافة الصهيونية تطرقت للمعركة ففي «هآرتس» كتب «عاموس هرئيل» أن تهديدات نتنياهو بلا رصيد، وكشفت يديعوت عن الفشل الاستخباري في توقع الهجمة وقالت أن السرايا قامت بتضليل محترف. أما قائد المنطقة الجنوبية «سامي ترجمان» صرح بأنه يجب العمل بكل قوة ضد الجهاد الإسلامي.

 

الخميس 12 مارس 2012م كان يوماً مشهوداً أسس لما بعده من معارك وكسر جبروت العدو، وكان صرخة الحق المدوي وانحيازاً للمبدأ الأصيل، فكفاحنا في فلسطين مستمر، هذا حقنا المقدس وهذا واجبنا المقدس، ونحن أصحاب قضية عادلة منتهاها الانتصار. الدم وحده هو القادر على صدهم، هو القادر على الاستعصاء... الشهيد وحده هو القادر على أن ينسف جهد أمريكا والغرب كله والجهد العربي المؤيد لخط التسوية الظالمة فيجعله هشيمًا، لذا لا بديل عن الجهاد، لا بديل عن الشهادة، لا بديل عن الدم كقانون لنا جميعًا حتى تحرير فلسطين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق