الكورونا في خدمة نتنياهو.. د.سفيان ابو زايدة

الكورونا في خدمة نتنياهو.. د.سفيان ابو زايدة
أقلام وآراء

د..سفيان ابو زايدة

اليوم سيباشر الرئيس الاسرائيلي مشاوراته للمرة الثالثة خلال عام مع رؤساء الكتل البرلمانية لتكليف احدهم بتشكيل الحكومة بعد ان فشل النظام السياسي الاسرائيلي في المرتين السابقتين. مشاورات ستكون مختلفه جذريا عن سابقاتها سواء من حيث الوقت المخصص لكل قائمه او عدد الأشخاص المشاركين او الفترة الزمنية التي لن تستمر اكثر من ثمانية و أربعين ساعة قبل ان يقرر الأطراف ما الذي يجب فعله للخروج من هذا المأزق في ظل تهديد الكورونا وحالة الطوارئ التي تعيشها البلاد و يعيشها العالم اجمع. لكن الجميع  يعرف ان هذه المشاورات ليست هي الامر المهم الذي سيحدد مستقبل النظام السياسي الاسرائيلي خلال الاشهر وربما السنوات المقبلة. الجميع يدرك ان قواعد اللعبة في ظل تهديد الكورونا و تداعياتها الصحية والاقتصادية و الاجتماعية تجبر الجميع على اعادة صياغة مواقفهم في ظل عجز القطبين الرئيسيين عن تشكيل حكومة تحظى بثقة الاغلبية البرلمانية.

 

نتنياهو الذي اثبتت الاحداث بأنه ليس فقط بسبعة ارواح بل بسبعين روحا وعدا عن كونه ساحراً سياسياً ليس لديه خطوط حمراء او زرقاء ولديه الاستعداد ان يفعل اي شيء من اجل بقاءه على رأس الهرم، هو ايضا سياسي محظوظ وكأن فايروس الكورونا جاء لكي ينقذه من مأزقه ويحميه من المحكمة و يبقيه في منصبه بعد كل همروجته الإعلامية عشية الاعلان عن نتائج الانتخابات حيث صور الامر بأنه حقق انتصارا ساحقا على خصومه وان تشكيل الحكومة سيكون مهمة سهله دون الحاجة الى خصومه التقليديين ليتضح ان كتلة اليمين التي يتزعمها ليس لديها سوى ثمانية و خمسين مقعدا و ان خصمه بني غانتس يملك على الورق ٦٢ مقعدا.

 

نتنياهو المحظوظ على ما يبدو لم يعد بحاجة الى كل هذه الحسابات بالأرقام لان فايروس كورونا اختصر علية الطريق الذي اصبح على الارجح سالكا لكي يحقق ما يريد ، و سيلتقط انفاسه السياسية و القضائية للأشهر المقبلة على الاقل. اما بني غانتس الذي فقد بكارته السياسية متأخرا كما يصفه المحللون والسياسيون وعلى الرغم من حصول المعسكر المعادي لنتنياهو الذي يقف على رأسه على اثنين وستين مقعدا ، من الناحية النظرية بالإمكان ان يشكل حكومة واقتلاع نتنياهو من بيت رئيس الوزراء الا ان هذه الارقام اثبتت انها ارقام مخادعه، حيث في الوقت الذي يوجد لنتنياهو كتلة متماسكة صمدت ثلاث جولات انتخابية دون ان تتصدع جدرانها ، المعسكر الاخر اثبت ان جدرانه غير متماسكة و ان هناك تصدعات في هذه الجدران لا يستطيع الارتكاز عليها لتشكيل حكومة.

 

التصدع الاول كان من داخل بيت ازرق ابيض ، حيث تكون هذا التحالف من اربعة اقطاب ليست متجانسة من الناحية السياسية و القاسم المشترك الاساسي بينها هو اسقاط نتنياهو او العداء الشخصي له. لكن اسقاط نتنياهو لم يكن بأي ثمن بالنسبة للبعض. او بكلمات اخرى هناك من رفض ان يكون ثمن اسقاط نتنياهو هو بالاعتماد على اصوات القائمة المشتركة.  على رأس هؤلاء اثنان من المتطرفين الذين يكرهون نتنياهو و لكنهم في نفس الوقت عنصريون ومتطرفون تجاه فلسطينيي الداخل وهم يوعاز هندل و تسفي هاوزر اللذان اعلنا عن موقفهما برفض التصويت لصالح حكومة اقلية تعتمد على الاصوات العربية . لكن الاهم منهم هو موقف احد اقطاب التحالف وهو رئيس الاركان السابق الجنرال غابي اشكنازي الذي ايضا رفض هذه الفكرة و تمسك بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية حتى و ان كان رئيسها نتنياهو.

 

اما التصدع الاخر في جدران هذا التحالف جاء من طرف اورلي ليفي ابو كسيس التي دخلت الانتخابات في تحالف مع حزب العمل و ميرتس، و الهدف كان هو دخولها الكنيست بعد ان فشلت في الجولة الاولى من الانتخابات من اجتياز نسبة الحسم. اورلي ليفي التي سرعان ما اعلنت عن موقفها بعد التصويت لحكومة اقلية تعتمد  على  اصوات القائمة المشتركة تعكس طبيعة السياسي الانتهازي الذي يستغل الاخرين و يبحث فقط عن مصالحه الخاصة. موقف اورلي ليفي فسره البعض على انه انتقام من غانتس الذي رفض ان يضمن لها مكاناً في قائمة ازرق ابيض اضافة الى خلفيتها اليمنية و الليكودية و قبل كل ذلك الاغراءات التي قدمت لها لتعيينها وزيرة و الدفع باتجاه تعيين والدها دافييد ليفي ليكون رئيساً للدولة بعد انتهاء حقبة ريفلين.

التصدع الثالث في هذه الجدران كان في القائمة المشتركة حيث إن ممثلي بلد الثلاثة لم يكونوا مع  فكرة دعم حكومة الاقلية برئاسة غانتس وفي الانتخابات الاولى رفضوا ان تدرج اسماؤهم ضمن الاصوات التي اوصت بتشكيل غانتس، على الرغم ان لديهم نفس الرغبة او نفس الهدف لإزاحة نتنياهو عن المشهد. هذه التصدعات سحبت البساط من تحت اقدام غانتس واسقطت خيار حكومة اقلية تعتمد على اصوات القائمة العربية المشتركة.

المشهد اليوم يختلف تماما، مختلف لصالح نتنياهو، السياسي الوحيد في المشهد السياسي الاسرائيلي المستفيد من فايروس الكورنا، حيث لم يعد شعار خصومه بعدم قبول تشكيل حكومة برئاسته في ظل حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد ويعيشها العالم امرا واقعيا او مقبولا. ولم يعد خيار اجراء جولة انتخابات رابعة خيارا مقبولا او قابلا للتطبيق في ظل حالة الطوارئ وآلاف الأشخاص الذين يخضعون للحجر المنزلي. هناك تغيير اجباري لقواعد اللعبة فرضها فايروس كورونا على النظام السياسي الاسرائيلي, الخيارات المطروحة ستكون كالتالي:

 

الخيار الاول: قد يكون تشكيل حكومة طوارئ تتكون من الليكود وازرق ابيض والاحزاب الاخرى برئاسة نتنياهو تكون مهمتها ادارة الازمة التي تمر بها البلاد و تكون مدتها محدودة بفترة زمنية لا تتجاوز العام.

 

الخلاف سيكون على الفترة الزمنية وعلى مكونات هذه الحكومة. هل ستكون من ازرق ابيض و الليكود فقط ، هل ستكون من كل كتلة اليمين و الكتل الاخرى بما في ذلك القائمة المشتركة التي يرفض نتنياهو ان تكون جزءاً من اي تشكل حكومي، هل سيشارك ليبرمان في هذه الحكومة ام يبقى خارجها . هل سيحافظ ازرق ابيض على تماسكه ام سيتفكك في ظل فشل مهمته في ازاحة نتنياهو خاصة لبيد وحزبه هناك مستقبل. هل سيتمسك نتنياهو برئاستها و يقبل غانتس ام يحاول ان تكون بالتناوب حتى وإن كانت لمدة قصيرة.

 

الخيار الثاني: هو تشكيل حكومة وحدة وطنية وفقا لمقترح الرئيس ريفلين بعد ان يتم تعديله لصالح نتنياهو بمعنى ان تكون هناك حكومة برئاسة نتنياهو اولا لمدة عامين بعدها يتولى غانتس رئاستها بغض النظر عن اجراءات محاكمة نتنياهو التي ستسغرق وقتا طويلا هذا اذا لم يتم توقف عمل المحاكم نتيجة فايروس كورونا.

 

في كل الاحوال، وفي اي سيناريو مقبل سيبقى نتنياهو على رأس الهرم السياسي في اسرائيل بفضل فايروس كورونا الذي استطاع باقتدار ان يجيره لصالح بقائه السياسي.

التعليقات : 0

إضافة تعليق