كورونا وغريزة البقاء وغزة.. د. سميرة شمعاوي

كورونا وغريزة البقاء وغزة.. د. سميرة شمعاوي
أقلام وآراء

د. سميرة شمعاوي

يعد كورونا من بين أخطر الأوبئة التي اجتاحت العالم في القرن الواحد والعشرين، بعد الأوبئة الأخرى التي ظهرت مثل المتلازمة التنفسية الحادة (سارس) التي ظهرت في إحدى مقاطعات الصين وأودت بحياة 774 شخصا، وإنفلونزا الخنازير التي يعتقد بأن مصدرها الخنازير وقضت على حياة 575 ألف من البشر،  وكان آخر وباء ضرب العالم في هذا القرن هو وباء إيبولا الذي ظهر بغينيا سنة 2014 وقتل تقريبا 11 ألف شخص. وما يؤكد خطورة انتشار وباء كورونا هو انتشاره السريع في جميع أرجاء العالم، فهو ينتشر كالنار في الهشيم. ورغم أن الصين تمكنت بفعل تقدمها العلمي والتكنولوجي والإجراءات الصارمة ووعي مواطنيها …، من محاصرة الفيروس، فإن دولا عديدة – وخاصة في أوروبا- لازالت  ترزح تحت وطأة الانتشار السريع للفيروس وتكاثر عدد الوفيات، ليصيب الرعب المواطنين في العالم أجمع، وظهرت سلوكيات متشابهة لدى الجميع مثل الإقبال على التبضع بطرق فوضوية – سواء في الدول الفقيرة أو في الدول الغنية- والتدافع والزحام قد يساعد على انتشار الوباء بشكل أكبر. وهذا لا يمكن تفسيره إلا بهيمنة غريزة البقاء لدى الجنس البشري، والتي لا تختلف فيها عن الحيوانات، فهذه الغريزة تكبح أنشطة التفكير والتروي وتبعد الغيرية وتعري النرجسية الفردية.

 

وإذا كان هذا الوباء قد كشف علانية عن النزعة الأنانية  للأفراد التي تدفعهم للبحث عن كل ما يحافظ على حياتهم دونما تفكير في الآخر وفي أوضاعه وفي وجوده، وهي غريزة تجد مشروعيتها عندما يحس الإنسان أنه مهدد في وجوده. ومن السلوكيات الأخرى التي تعززت مع الوباء ابتعاد الناس عن بعضهم البعض والخوف من العدوى حتى أصبح كل واحد يتعامل مع الآخر وكأنه سيكون سبب وفاته، ألهمتني في هذه الفكرة لقطة لاحظتها في إحدى الأسواق العمومية عندما اقتربت عجوز من سيدة أربعينية، ولم تحافظ على “مسافة الأمان”، فنهرتها هذه الأخيرة قائلة “ابتعدي، ابتعدي، هل تريدين قتلي…؟”، إنه  رد فعل غريزي لا يراعي سن المرأة العجوز ولا مدى وعيها بخطورة الوباء… وهذا يعني أن الآخر هو مصدر الشر والأذى بل والتدمير أيضا.

 

إن غريزة المحافظة على الوجود لا تطال الأفراد فقط بل تهم المجتمعات أيضا، فالعديد من الدول تسابق الزمن لمحاصرة تأثيرات الفيروس الاقتصادية والمالية… حتى لا تنهار، ونحن نعلم بأن الأوبئة في الماضي كانت سببا في انهيار حضارات بكاملها مثل ما حدث للإمبراطورية البيزنطية في عهد جستنيان الأول الذي ظهر في عهده  وباء سمي باسمه، وكان سببا في انهزامه أمام الحضارات الأخرى، التي استغلت تفشي الوباء لإعادة السيطرة على ما سلب منها عن طريق هيمنته  وسلطته.

 

وإذا كانت غريزة البقاء تتجسد لدى الأفراد في فرضهم للعزلة  وابتعادهم عن الآخر/ الأذى -وإن كانت هناك جوانب أخرى لهذا الوباء تمثلت في التكتل العائلي بسبب الحجر الصحي الذي فرض في معظم الدول لمحاصرة الفيروس- فإن الدول بدورها قد أغلقت الحدود وشلت حركة المطارات ومنعت دخول الأجانب كحرب استباقية لمحاصرة الفيروس، خوفا من الزيادة في عدد المصابين والموتى، وتحت ضغط الإمكانيات الطبية والعلاجية الغير كافية التي ظهرت لدى بعض الأنظمة الصحية الموجودة حتى في الدول المتقدمة مثل بعض الدول الأوروبية (فرنسا وإيطاليا كمثال). هذه العزلة التي فرضتها الدول على نفسها لها أكثر من دلالة:

 

النزعة الأنانية للدول التي دفعت الرئيس الأمريكي إلى نعت الفيروس بأنه صيني، أي أن الصين هي الأذى القادم إلى العالم حتى يكرس فكرة محور الشر الذي تمثل الصين -حسب الرئيس- أحد أقطابه، ومن جهة أخرى عبر هذا الرئيس عن رغبته في احتكار علاج الفيروس – إن وجد-، حتى ينقذ الأمريكيين من فتك كورونا، ولتعم الجائحة باقي العالم،

 

سيغير فيروس كورونا مفاهيم كثيرة أضحت مهيمنة على العالم الرأسمالي وخاصة مفهوم العولمة التي تعني إمكانية انتقال المعارف والتكنولوجيات والثقافات وإزاحة الحدود بين البشر ومنحهم حرية التنقل. جاءت كورونا لتبين أن الوضع العولمي هش، وبمجرد ظهور الفيروس بدأت الدول تتبادل التهم: الصينيون يتهمون أمريكا بإدخاله إلى الصين، والأمريكيون يتهمون الصين بتصدير الفيروس إلى العالم، ولازالت -رغم سرعة انتشار الوباء- الاتهامات تتناسل. وليأخذ المدافعون عن العولمة الدرس من هذا الفيروس اللامرئي،

 

كشف الفيروس عن نزعة سادية لدى بعض الحكام الذين استغلوا الوباء للتشفي في ما يحدث في بعض الدول كإيران التي ينتشر فيها الوباء بسرعة فائقة بسبب الحصار الاقتصادي والطبي، إذ يعاني أكثر من 80 مليون إيراني من قلق على وضعهم الصحي في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية والطبية التي راح ضحيتها مواطنون أبرياء وكذا أطقم طبية وتمريضية بسبب نقص وسائل الوقاية والعلاج،

 

كشف انتشار الوباء عن بحث كل دولة عن حل لمشاكلها، فباستثناء الصين التي عبرت عن رغبتها في مساعدة الدول الأخرى، الكل منهمك في محاصرة الوباء باتخاذ اجراءات تختلف درجة حدتها وصرامتها من دولة إلى أخرى.

 

نعرف أنه في خضم الأزمات البشرية، تظهر بوادر مرحلة جديدة يعاد فيها النظر في القضايا والقيم والإيديولوجيات…، وهي لحظات تأمل بالمعنى الفلسفي، تمكن الفرد من التساؤل حول مصيره وكينونته ووجوده ومعنى هذا الوجود. وعلى المستوى الفردي، يتقوى لدى الأفراد الإحساس بإمكانية الموت في كل لحظة، فإما يعتكفون دينيا أو معرفيا أو دنيويا، و يبحثون عن آليات دفاعية لتخفيض القلق من المصير المجهول، وهو الوضع الذي يعيشه سكان العالم اليوم. وقد يكون للحجر الصحي المفروض على الناس تأثير إيجابي عندما يعيدون بناء اللحمة العائلية التي دمرتها العولمة، وإن كانت بشكل أقل حميمية نظرا لانتشار وسائل التواصل التي ينشغل بها الناس حتى داخل بيوتهم ولكن على الأقل إنهم يتتبعون مصيرهم من خلال تلك الوسائل. وبعض الأمثلة على حب الناس للحياة رغم ترقبهم للموت المباغت هو الصور المنشورة لعائلات ايطالية وهي تغني في بيوتها وتستمتع بأصوات بعضها البعض رغم حصار الوباء.

 

يستشعر الناس قساوة الوباء وقدرته على حرمانهم من نشاطاتهم ومن حيويتهم ومن أعمالهم ومن مستقبلهم ومن أحلامهم…، ويزدادون انفعالا ورغبة في معرفة متى ينتهي هذا الوباء، ولكن ماذا يمكننا القول عن القساوة التي حاصرت شعبا عقوداً من الزمن بسبب تدخل بشري سافر وشارك في الجريمة كل العالم إما بالحصار الاقتصادي أو بالخيانة والتطبيع أو بالصمت الجبان…وهو شعب غزة الأبي، الذي نرى أن النصر حليفه، خاصة أن مساجده هي الوحيدة التي ظلت تصدح بصوت حق في وقت أغلقت فيه معظم مساجد العالم، نتمنى من كورونا أن تعيد خريطة العالم كما فعلت الأوبئة في القرون السابقة، فتنصف الشعوب المستضعفة في الأرض وخاصة الشعب الفلسطيني، شعب الجبارين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق