هل يعيد التاريخ نفسه؟.. رفيق احمد علي

هل يعيد التاريخ نفسه؟.. رفيق احمد علي
أقلام وآراء

رفيق احمد علي

نعم، وما أشبه الليلة بالبارحة! فبالأمس غير القريب وإن لم يبعد كثيراً عبر التاريخ.. وعد الغرب - مخصصاً في بريطانيا العظمى - أميراً من أمراء العرب كان شريفاً على مكة من قِبل الدولة العثمانية، أن ينصبوه ملكاً على جميع العرب؛ مقابل أن يساعدهم في حربهم ضد عدوتهم الدولة العثمانية، أثناء الحرب العالمية الأولى.. وكان شريف مكة وملوك مصر وغيرها في ذلك الزمان يعيَّنون من قبلها؛ إذ كانت تمثّل الخلافة الإسلامية التي تبسط سيطرتها على معظم أقطار العالم العربي.. وتعهد الشريف حسين بإعلان الثورة عليها ومساندة الجيش البريطاني الزاحف نحوها، حتى استطاع إيقاع الهزيمة بها، وأتاح لسبع من الدول المجاورة أن تقتسم أراضيها.. حتى استردها منهم القائد المدعو كمال أتاترك وعمل على إسقاط الخلافة منذ العام 1924م. فهل وفت بريطانيا للشريف حسين بما وعدت؟ كلا، ولكن سايكس البريطاني وبيكو الفرنسي كانا قد اتفقا من ورائه ومن وراء العرب على تقسيم بلادهم إلى دويلات وممالك صغيرة- فيما عرف باتفاقية "سايكس بيكو" وأرضوا ولده فيصل بإقليم سورية ثم العراق.. وولده عبد الله بإمارة الأردن؛ لينصّب بعد ذلك ملكاً عليها تحت رعايتهم وسيطرتهم! بينما يُحجر على أبيهما الشريف بل الملك المخدوع في العقبة، حتى إذا لوى بذيله نفي إلى جزيرة قبرص؛ فمات بها مقهوراً معدماً مشلولاً! وكان ما كان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من مؤامرة تسليم فلسطين لليهود ووقوع نكبتنا الفلسطينية عام 1948.

 

ويمضي التاريخ ليسجّل صفحات يومه التي طالما تكررت حتى لصحّت مقولة: ما أشبه الليلة بالبارحة! ولنجد وليٌّاً للعهد- ومن نفس مكان الشريف المخدوع، يوالي الغرب أيضا ممثلا هذه المرة في أمريكا الدولة الكبرى- راجياً أن يحميه كبيرها التاجر ذو الصفقات.. ويعمل على تثبيته ملكاً بعد أبيه،  وذاك بعدما يبذل له من مال شعبه ما يرضيه! موقعاً أيضاً على ما يرضيه ولا يغضبه من أنّ القدس تصبح عاصمة أبدية للدولة الصهيونية، معلناً أنّ قضية فلسطين لا تعنيه! وهكذا ّ بتأييد أمريكي صهيوني يصبح هو ملك العرب المسيطر، ولكن الخاضع لما سيدته الكبرى عليه تمليه!

 

والعجب كل العجب لبعض حكام العرب الذين لا يأخذون العبرة من التاريخ، وينسون ما يعظهم به  ويذكّرهم ربُّ العزة قبل ذلك في كتابه المجيد إذ يقول سبحانه: "يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين"(آل عمران"100) ويقول: "يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياءَ بعضُهم أولياءُ بعضٍ ومن يتولّهم منكم فأنه منهم  إنّ اللهَ لا يهدي القومَ الظالمين"(المائدة 51) ومع شديد الأسف لا يصحو مثل هؤلاء الحكام إلا متأخرين؛ فيلقوا نفس مصير من سبقهم! وماذا ينتظرون أو يتوقعون وقد أعرضوا عن سنّة الله تعالى وهدي دينه، بالولاء لمثل هؤلاء وتحكيمهم في أموالهم ومجرى حياتهم وأمور دولتهم.. مسارعين فيهم بما وصفهم الله تعالى وبيّن عاقبتهم، إذ يقول سبحانه: "فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى اللهُ أن يأتيَ بالفتح أو أمرٍ من عنده فيصبحوا على ما أسرَوا في أنفسهم نادمين"(المائدة 52) أو أمرٍ من عنده.. نعم، إنه الوعد الأكيد من الله الذي لا يخلف وعده فتحاً لعباده المؤمنين، وتنفيّذاً لأمره الآتي للطائفة الظاهرة على الحق بإذنه ، حتى ينصرها الله على عدوها وعدوّه، رغم الخاذلين والخالفين والذيول المطأطئين.. وقد أشار لذلك رسولنا الكريم إذ يقول: ""لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ".(أخرجه مسلم من حديث ثوبان) وقوله صلى الله غليه وسلم: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ"(أخرجه أحمد من حديث أبي أمامة) .

 

فالثبات الثبات يا أبناء فلسطين- أبناء بيت المقدس وأكناف بيت المقدس المجاهدين المطالبين بحقهم الشرعي في وطنهم ليس الإرهابيين ولا العابثين كما يقول بعض التبعيين الخاذلين .. اثبتوا على الحق ظاهرين لعدوكم غائظين قاهرين، ولا تبالوا بمن خالفكم واتّبع سبيل غير المؤمنين؛ حتى يأتيكم أمر الله تعالى بفتحه ونصره المبين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق