قراءة أولية في أحداث الأقصى... جميل عبد النبي

قراءة أولية في أحداث الأقصى... جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

للقدس موقع خاص في الضمير الفلسطيني والعربي والإسلامي، والأحداث الأخيرة تثبت أن الرموز الوطنية والدينية لها مكانتها في الوعي الجمعي للشعوب، حيث أظهر الشعب الفلسطيني استعدادا عاليا للتضحية، للحيلولة دون المساس بتفاصيل ربما يظنها البعض صغيرة وغير ذات جدوى، لكنها كانت في نظر الفلسطينيين مما يستحق النضال من أجله، فهي كما يراها الفلسطينيون مقدمة لمخطط صهيوني قديم يستهدف أهم رمز ديني ووطني لديهم.

 

المسألة في نظر الفلسطينيين لا تعني مجرد بوابات إلكترونية، يدعي الاحتلال أن مهمتها أمنية صرف، أو أنها ليست أكثر من وسيلة لمنع المسلحين من دخول المسجد الأقصى، ومن ثم القيام بأعمال مسلحة كما يدعي الاحتلال، وإنما مقدمة لإحكام السيطرة على أقدس بقعة في الوعي الفلسطيني.

 

وبالقدر الذي أظهرت فيه قضية البوايات الإلكترونية جهوزية الفلسطينيين للعمل من أجل القدس، بقدر ما كشفت عن حالة العجز العربي الرسمي الذي لم يتوان في إبراز مواقف أقل من ضعيفة، لا تنسجم وأهمية القدس كرمز وطني وديني.

 

صورة المشهد التي تابعها العالم خلال الأيام الماضية، تتضمن مجموعة من الحقائق التي يمكن استنتاجها ببساطة، كجزء من عملية استخلاص عبر أولية، لا بد وأن نلتفت إليها أثناء مواصلتنا لنضالنا من اجل فلسطين والمسجد الاقصى.

 

أولا: كشفت الهبة الشعبية بوضوح أهمية الدور الشعبي وقدرته على إحداث تأثير حقيقي على الأرض، فإسرائيل تتقن إدارة المواجهات المسلحة مع جيوش نظامية، لكنها تقف عاجزة أمام جماهير غفيرة تناضل بصدور عارية، فهي التي تتقن فن شيطنة مخالفيها لدى الراي العام العالمي، لا تجد ما تقنع به العالم بان هؤلاء العزل إرهابيون أو مجموعة من القتلة، جاءوا ليبيدوا اليهود لأنهم يهود، خاصة في مشهد كالذي شهدته احداث القدس مؤخرا، حيث الصورة تماما في الاتجاه المعاكس لما تسعى إسرائيل طوال الوقت لأن تقنع به العالم، فهي في هذا المشهد تبدو دولة تمارس الإرهاب ضد مواطنين عزل، وهي التي تضيق عليهم حرية العبادة في أكثر أماكنهم قداسة، في لحظة تاريخية لم يعد العالم مستعدا لقبول فكرة قمع حرية العبادة.

 

لقد أبرزت الاحداث الاخيرة بوضوح ثقل أثر الحراك الشعبي، مقارنة بأي حراك فصائلي عنفي، أزعم أن إسرائيل كانت تتمناه لرسم صورة للمشهد تنسجم مع تلك التي اعتادت إسرائيل أن تقدمها للعالم.

 

يدفعنا هذا إلى إعادة الاعتبار للنضال الشعبي من جديد، وربما تقديمه على اي شكل آخر من أشكال النضال الأخرى، حتى وإن آمنا بمشروعية حقنا في الدفاع عن أنفسنا بكل السبل المشروعة، إلا أن الحضور الشعبي لا بد وأن يظل في المقدمة، وأظن أن إسرائيل كانت تتمنى أي رد فعل غير شعبي، تقوم به إحدى الفصائل الفلسطينية، كي تعيد تزييف الصورة، وكأن المسالة ليست سوى محاولة إسرائيل الوديعة المسالمة رد اذى الإرهابيين الذين يستهدفون وجودها!!!

 

ثانيا: لقد عرت الأحداث الأخيرة كل المنظومة الرسمية للعرب والمسلمين، وكشفت حجم الترهل الذي أصاب النظام العربي الرسمي تحديدا وعلى وجه الخصوص، والإسلامي على وحه العموم، حيث جاءت المواقف الرسمية أقل بكثير حتى من المستوى الذي توقعته إسرائيل نفسها، بل إن جزءا من الموقف الرسمي لم يكتف بالصمت تجاه أحداث الاقصى، وإنما أبدى مواقف مؤيدة لمشروع إسرائيل في القدس، تحت ذرائع لم يقبلها الشعب الفلسطيني، الذي يبدو أنه اكتشف أنه وحده الذي يجب ان يأحذ زمام المبادرة، وأن عليه أن يراهن على نفسه وحسب.

 

فيما مضى كان النظام الرسمي يحاول ولو شكلا أن يبدو كمتفاعل مع بعض متعلقات القضية الفلسطينية، لكنه هذه المرة لم يجد حرجا في الصمت، بل وفيما هو أسوأ من الصمت، ولقد شاهدنا مثلا كيف قدم النظام الأردني سلما آمنا لنزول إسرائيل عن الشجرة، وشاهدنا أيضا كيف تبجح نتنياهو أمام أعين كل العرب، بقوله لقاتل الأردنين: اذهب إلى صديقتك وتمتع بالحياة، فلقد وعدتك ان اعيدك سالما إلى إسرائيل وأوفيت بوعدي، بينما تجاهلت الحكومة الاردنية مشاعر العوائل المكلومة، في موقف يجلب العار لكل العرب والمسلمين.

 

الرهان إذن على الموقف الرسمي لا يجب ان يقام له وزن كبير في حساباتنا كفلسطينيين، أثناء إدارتنا لمعركتنا الطويلة مع إسرائيل.

ثالثا: لقد كان لافتا ومؤذيا أيضا حجم اللامبالاة الشعبية العربية والإسلامية، بل إن بعضا من أصوات النشاز لم تتحرج في تفهم موقف إسرائيل على حساب الفلسطينيين!!

 

صحيح أن هناك أحداثا كبرى في المنطقة أنهكت الشعوب العربية،  وساهمت في قتل روح التفاعل مع القضية الفلسطينية، حيث تعاني كل شعوب المنطقة تقريبا من ويلات ما يسمي بالربيع العربي، لكن شيئا ما أيضا يخصنا نحن كفلسطينيين علينا أن نلتفت له، يبدو هو الآخر عاملا إضافيا ساعد في تقليل مستوى التفاعل الشعبي العربي مع أحداث القدس الأخيرة.

 

ليست المسالة هنا مجرد رغبة في جلد الذات، وإنما حقيقة علينا أن نعترف بها كخطوة أولى نحو إعادة تصويب مسارها، علينا أن نعيد عرض المشهد الفلسطيني من جديد، كشعب موحد يعاني من الظلم، ليست السلطة إحدى غاياته، ولا الاقتتال عليها، وإنما له وجهة واحدة يقف خلفها صفا واحدا، تنحصر في استعادة الحقوق الفلسطينية المسلوبة، كما علينا أن نعيد الثقة للشعوب العربية، باننا لسنا جزءا من اي أزمة داخلية لأي دولة عربية، ولسنا أعداء لأي طرف عربي، ولسنا معنيين في مساعدة طرف ضد طرف، إنما نحن أصدقاء الكل العربي، والكل الإسلامي.

 

لا يجب أن نسمح لخلافاتنا الداخلية، ولا لتحالفاتنا الخارجية أن تمس بعلاقاتنا بالشعوب العربية، وهذا يستدعي حرصا إضافيا حيث على أن نحسب وبدقة أي خطوة او موقف يخص الشأن العربي. الشعوب هي أملنا في أي تغيير مأمول يمكنه ان يكون عاملا مساعدا لنا لاستعادة حقوقنا، خاصة بعد ان ثبت يقينا عبثية الرهان على المواقف الرسمية بكل ألوانها وأطيافها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق